التصالح مع غموض هذا العالم

تمر علي في وسائل التواصل كثيرا فكرة تأخير الزواج حتى يجد الإنسان الشريك الملائم تماما بما يضمن نجاح الزواج، وفكرة تأخير الإنجاب حتى يعالج المرء كل مشكلاته النفسية والاقتصادية والاجتماعية ويصبح مستعدا بالكامل للتربية حتى ينشأ أبناؤه نشأة ممتازة، وتشبهها أفكار كثيرة تشترك في التباطؤ عن اتخاذ خطوة مهمة في الحياة بحجة عدم اكتمال الاستعداد ١٠٠٪، هذه الفكرة تبدو في ظاهرها جيدة وتنبئ عن حرص صاحبها على التخطيط والتنظيم، لكنها في الحقيقة قد تشلّه وتعيق مرونته.

الحقيقة التي ينبغي أن نوطّن أنفسنا عليها هي أنه لا يوجد ضمان لأي خطوة من خطواتنا في المستقبل، الاستعداد جيد، والتخطيط مهم، لكن الخلل هو في الرغبة الشديدة في التحكم بمجريات المستقبل وإرادة ضمان هندسته على النحو الذي نريد بالضبط، ينبغي أن نتصالح مع فكرة أن هذا العالم يكتنفه الغموض، ويزخر بالمفاجآت، وأنه مهما كان الاستعداد لخطوة معينة مثاليا، فلا ضمان للنجاح.

يبدو لي أن تفاقم فكرة الرغبة في السيطرة على أحداث المستقبل نابعة من القدرة العالية على التحكم التي نمت مع تطور وسائل التقنية، فالإنسان قديما كان متصالحًا مع فكرة غموض العالم، أما اليوم فنحن نعلم توقعات حالة الطقس بدقة، وإذا جاء قريبنا من سفر بعيد فنحن نتابع طائرته بالدقيقة والثانية، وإذا طلبنا عشاء من مطعم فنحن نراقب تحرك مندوب التوصيل ثانية بثانية، كل شيء خاضع للمراقبة والتدقيق الفوري، كما تتوفر لنا فرصة التحكم بمدخلات كثيرة لضبط النتائج، في الطب والهندسة والطيران والهندسة الجينية وحتى صنع الحلويات المنزلية، هذه القدرة على (الضبط والسيطرة والتجكم) هي إحدى سمات الحداثة التي تناولها عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر.

في الأمور النفسية والاجتماعية أيضا سرت القدرة على الضبط والتحكم، فبالإمكان التنبؤ بكثير من الأمراض النفسية وتحديدها وعلاجها، والتخطيط لبناء الثروات والمسار المهني والدراسي الناجح، والتخطيط للزواج الناجح وتربية الأبناء، وكلها أمور جيدة إذا أُخذت بالقدر المعقول ووضع الإنسان في حسبانه أنه -مهما استعد- فإن هذا العالم يكتنفه الغموض، ويزخر بالمفاجآت.

يقول ادغار موران بعد أن عاش عمرًا تجاوز المئة عام في كتابه (دروس قرن من الحياة): “كل حياة هي ملاحةٌ في بحر عدم اليقين” وينصحنا بـ “الكف عن الإيمان بدوام الحاضر، واتصال الصيرورة، والقدرة على توقع المستقبل، إن انبثاقات غير المتوقع المباغتة، تعمل بلا توقف، وعلى نحو متقطع في الوقت نفسه، على رجّ أو تحويل حياتنا الفردية والإنسانية، تارة نحو الغبطة والسعادة، وتارة نحو البلايا والمحن”.

تعجبني هذه الاستعارة عن الحياة بأنها “ملاحة في بحر عدم اليقين” فالقبطان يعرف كيف يقود السفينة، ويخطط للرحلة جيدا، لكنه يدرك أن الرحلة قد تحمل مفاجآت غير متوقعة، جيدة أو سيئة، ولديه المرونة الذهنية الكافية للتعامل مع هذا الغموض وتلك المفاجآت.

مشكلة الكثيرين منا اليوم هي الرغبة الشديدة في نتائج تصل لدرجة اليقين، الرغبة في التحكم في المدخلات لضمان المخرجات، مع الغفلة عن أن التخطيط مهما كان جيدا، والمدخلات مهما كانت رائعة، فإنه لا ضمان النجاح، لأن المتغيرات التي تؤثر في المستقبل لم تحدث بعد، وليس بإمكاننا السيطرة عليها، وجائحة كورونا التي فوجئنا بها قبل ست سنوات مثال جيد للتأمل على المستوى الجمعي، فضلًا عن المفاجآت على المستوى الفردي لكل منا.

أرجو ألا يستدرك القارئ بتذكيري بحقيقة بدهية هي: أهمية الاستعداد وبذل الأسباب وتهيئة الظروف المناسبة والتخطيط الجيد، فلا أجادل في هذا، الأمر الذي أطرحه هنا هو فكرة محددة: لن تصل أبدا إلى الاستعداد التام الذي يضمن لك نجاح خططك في أي شيء، فلا تبالغ في التسويف، وكن مستعدا للمفاجآت.

ثم إن كثيرا من الأمور لا يبنى استعدادنا لها قبلها، بل نستكمله أثناءها، فالزواج مثلا، يتطلب قدرا معقولا من الاستعداد الذهني والجسدي والمالي والنفسي وغيرها، لكن نجاحه لا يعتمد فقط على ما قبله، بل على القدرة على التعلم والنمو المستمر أثناءه، وقل مثل ذلك عن التربية، والنمو المهني والعمل التجاري، ومع ذلك، عليك أن توطن نفسك على توقع ما لايُتوقع، وعلى الحسم واتخاذ القرار حتى لو لم تضمن النتائج تماما، يكفي غلبة الظن، ولا تدري كم تعطل من فرص النمو والخير بانتظارك للحظة اتخاذ القرار المثالي الخيالي الذي لا تشوبه شائبة ولا يمسه خطأ، فهو لن يأتي، سيؤخر نضجك فحسب.

القاسم المشترك بين المترددين والمسوّفين هو الرغبة الشديدة في السيطرة والتحكم بمجريات المستقبل، وقد يكون ذلك عائدا لصدمات في الماضي، تجده يستشير خبيرا في أمر ما، ثم إذا أخلص له الرأي قال المستشير: “نعم ولكن أخشى أن يحدث كذا وكذا” فإذا أعطي حلا آخر قال: “ولكني أخشى أن يحدث كذا وكذا” وكأنه يريد خيارا مثاليا ليس فيه أي هامش خطأ، وهذا يشل القدرة على اتخاذ القرار، لأن مهارة اتخاذ القرار هي مهارة موازنة بين البدائل، وليست مهارة تنبؤ بالمستقبل.

ولأن العالم مليء بالغموض، ونفوسنا تموج وتضطرب خوفًا من الإقدام على خطوة لم نكمل لها استعدادنا، أو نندم عليها، فإن الدين جاء ليسد هذا الفراغ النفسي، فعالج الخوف من المستقبل بطمأنينة (التوكل) على الله، وبدعاء الاستخارة، وعالج الندم لاحقًا بطمأنينة (الإيمان بالقدر) والنهي عن قول “لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا…”.

من مهارات الحياة المهمة، مهارة التصالح مع غموض العالم، والمرونة الذهنية والنفسية، والتخلي عن شيء من الرغبة في السيطرة والتحكم، تذكر دائما أن الحياة: “ملاحة في بحر عدم اليقين”.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بقلم

أفاتار غير معروف

د. ليلى العصيلي

معلمة لغة انجليزية برتبة خبير، دكتوراه أصول التربية، أطمح أن أسهم في تغيير المشهد التربوي والتعليمي للأفضل

فكرة واحدة بشأن "التصالح مع غموض هذا العالم"

أضف تعليق