ظاهرة تضخم الدرجات (١)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تشكل جودة مخرجات التعليم همًّا تربويا يشغل كل من له صلة بالتعليم: من أعلى هرم الوزارة إلى المعلمين والمدراء والمشرفين وأساتذة الجامعات وأولياء الأمور والطلاب أنفسهم، لو سألت كل واحد منهم: هل ترغب بمخرجات تعلم جيدة أم سيئة؟ فسيختار الجيدة ولا شك، هذا من حيث المبدأ، لكن من حيث التطبيق هناك ممارسات مختلفة وقناعات متباينة يسهم بعضها في حل المشكلة، بينما يفاقمها البعض الآخر.

كثير ممن ينتقد مخرجات التعليم يتجه نقده لأحد أمرين: إما للمقررات الدراسية، أو لطرق التدريس، ومن وجهة نظري، ليست المشكلة في المقررات الدراسية ولا في طرق التدريس، بل في جزء آخر من مكونات المنهج وهو (التقويم).

يهدف التقويم لتشخيص مشكلات التعليم وعلاجها في الوقت نفسه، وهو أحد أكثر مراحل منظومة التدريس أهمية، حيث يترتب عليه قرارات مهمة، فيُصدر من خلاله حكم دقيق وموضوعي على منظومة التدريس لتحديد مواطن ضعفها وقوتها1، وتعرّف وزارة التعليم التقويم2 بأنه: “عملية منهجية منظمة لجمع المعلومات وتحليلها واستخلاص نتائجها وإصدار أحكام وبناء خطط علاجية وتطويرية في ضوئها” كما بينت أن تقويم تعلم الطالب يهدف إلى: بيان مدى تقدمه نحو تحقيق مخرجات التعلم المحددة له في كل صف ومرحلة تعليمية، من أجل تحقيق الكفاءة العالية، وتقليل الهدر التعليمي، ويتنوع التقويم بين تقويم قبلي وتكويني وختامي، بأدوات كمية ونوعية، وفق أدوات متنوعة منها: الاختبارات (التحريرية والشفهية والعملية)، والواجبات المنزلية، والمشاركة، والبحوث والعروض والمهام الأدائية وغيرها.

ويتم التقويم عبر دورة تبدأ بتحديد الأهداف التعليمية، ثم اختيار طرق التقييم المناسبة، ثم جمع النتائج والبيانات، وبعدها تُحلل وتُفسّر نتائج البيانات، ثم تُتخذ إجراءات التحسين، كما يوضحها الشكل التالي:

إذا عملية التقويم التي نجمع من خلالها بيانات عن أداء الطالب ونعطيه بناء عليها أحكاما لفظية أو درجات كمية هي مسألة بالغة الأهمية وليست مجرد إجراء روتيني، بل هي أساس المعيار الذي يبين لنا هل تحققت أهداف التعلم أم لا؟ هل أتقن الطالب المهارة المحددة والمعرفة؟ أم يحتاج للمساعدة حتى يتقنها؟ ما الخلل في عملية التعليم والتعلم الذي ينبغي علاجه؟ كيف نعرف ذلك؟ بالتقويم الصادق الذي يكشف لنا بيانات حقيقية عن مدى تعلم الطالب، هل تعلم أم لم يتعلم؟ وإلى أي درجة أتقن هذه المعرفة أو المهارة؟ وبناء على هذه البيانات نقوم بتعديلات منهجية تعزز نقاط قوة الطالب وتعالج نقاط ضعفه.

التقويم هو مرآة التعليم الصادقة، يمكن أن نشبهه بالتحليل في المستشفى، كيف يمكن لمريض السكري معرفة نسبة السكر في دمه؟ عن طريق تحليل عينة من الدم ومعايرتها بمعيار مقنن ودقيق يكشف لنا الوضع بدقة، ويمكّن الطبيب من إجراء التدخل الطبي اللازم بخفض جرعة الانسولين أو زيادتها أو إبقائها على ماهي عليه. كيف يمكن للإنسان معالجة مشكلة السمنة؟ عن طريق الوقوف على الميزان أولا وتحديد نسبة الوزن الزائد (وربما كمية العضل والدهون) ووضع خطة غذائية ورياضية معينة، ثم متابعة التقدم عن طريق الوقوف على الميزان نفسه كل مرة، وتحديد ما إذا كان الوضع جيدا أو سيئا وما الخطوات اللازمة لتحقيق التقدم.

حسنا، ماذا لو كانت آلة تحليل الدم للسكري غير دقيقة وتقدم قراءات مضللة؟ ماذا لو كان الميزان معطوبا ويعطي وزنا غير حقيقي؟ هل يمكن علاج مشكلة السكري أو السمنة أو متابعة الوضع أصلا؟ لا، فدقة أداة التقويم مهمة جدا لجودة المخرجات، ومن هنا أتت مشكلة ضعف أدوات التقويم في التعليم وأثرها الكبير على ضعف المخرجات.

حين تقاس جودة مخرجات التعليم كميًّا بدرجات الطلاب، فهذا يعتمد على مدى صدق دلالة هذه الدرجات على المستوى التحصيلي والمهاري للطلاب، وهنا تبرز مشكلة واضحة: درجات الطلاب ترتفع في كل عام أكثر من ذي قبل، ومخرجاتهم تنخفض، يلاحظ هذا المعلم الذي يأتيه الطالب فاقدا لمهارات أساسية ومع ذلك درجاته مرتفعة في المادة في الأعوام السابقة، ويلاحظه ولي الأمر الذي يجد ابنه ضعيفا في اللغة العربية والانجليزية ومع ذلك درجاته فيهما تجعله في مصافّ المتفوقين الأوائل، كما لاحظت الجامعات ذلك حين قفزت معدلات الطلاب قفزات غير مسبوقة بعد إلغاء أسئلة الوزارة المركزية في الصف الثالث ثانوي فأضحى جميع الطلاب متفوقون فجأة وأصحاب معدلات مئوية، مما جعل من الصعب فرزهم وتمييز المتفوق فعلا من الذي زيدت درجاته وديّا وتساهلا، وأدى ذلك لاحقا لتقنين اختبارات معيارية من هيئة تقويم التعليم لضمان عدالة تقويم الطلاب، مما يقودنا لمشكلة تعرف في أدبيات البحث التربوي بمسمى: تضخم الدرجات Grade Inflation، وتعرّف ظاهرة تضخم الدرجات بأنها: إيجاد الظروف المؤدية لارتفاع مصطنع في درجات الطلاب، إما عن طريق خفض مستوى صعوبة الأسئلة، أو ضخ درجات مرتفعة مقابل أداء سيء3.

وينبغي التفريق بين ظاهرة (تضخم الدرجات) و (ارتفاع الدرجات)، فليس كل ارتفاع للدرجات يعدّ تضخّمًا، فقد يدل ارتفاع الدرجات على تفوق حقيقي للطلاب ناتج عن طرق تدريس نافعة، وبذل الطلاب لوسعهم في المذاكرة والاجتهاد، وهو أمر محمود ومنشود، بل هو هدف للأنظمة التعليمية، وميزته أنه يعكس ارتفاعا حقيقيا في معارف الطلاب ومهاراتهم عند قياسها بأي طرق اختبار خارجية ومحايدة.

أما التضخم فهو مجرد ارتفاع مصطنع في الدرجات، ناتج عن تسهيل الأسئلة، والاعتماد على الملخصات والمساعدة المباشرة وغير المباشرة أثناء أداء الاختبار، مما يعطي انطباعا ظاهريًّا بتفوق الطلاب، لكنه لا يعكس مستواهم الحقيقي ومعارفهم ومهاراتهم، وينكشف عند مقارنة درجاتهم بأدائهم الفعلي، أو بنتائجهم في الاختبارات المعيارية أو المحايدة في صياغتها وتصحيحها، التضخم باختصار: هو عدم دلالة الدرجة على المستوى الحقيقي للطالب.

وقد أخذ مصطلح تضخم الدرجات Grade Inflation من المصطلح الاقتصادي المعروف حول تضخم العملة، ومعناه انخفاض القوة الشرائية للنقود، مما يؤدي لارتفاع عام ومستمر في أسعار السلع والخدمات، وفي التعليم تسلك الدرجات الأكاديمية مسلك النقود المتضخمة حينما يتساهل المعلمون والأكاديميون في منحها بصورة مبالغ فيها، ففي الحالات الطبيعية يفترض أن تمنح الدرجات العالية للطلاب المتميزين فقط والذين يظهرون مستوى معرفيا ومهاريا عاليا، أما في حالة التضخم فتجنح المؤسسة التعليمية لمنح درجات عالية جدا لأعداد متزايدة من الطلبة دون أن يصاحب ذلك ارتفاع حقيقي في معارفهم ومهاراتهم، ونتيجة لذلك تفقد هذه الدرجات قيمتها المعيارية وقدرتها على التمييز بين الطالب المتميز والمتوسط والضعيف.

ومشكلة التضخم هي أنها تعمينا عن المستوى الحقيقي للطالب، فدرجاته تقول إنه متفوق والأمور على مايرام، ويمضي من سنة دراسية إلى أخرى ومن مرحلة إلى أخرى بهذا المستوى الذي ظاهره التفوق وباطنه الضعف، فيتفاقم الضعف عاما بعد الآخر، كمرض عضال أُهمل حتى استشرى وصعب علاجه، تكون الدرجات العالية هنا بمثابة المسكن الذي يعطى للمريض فيخفي أعراض المرض، لكنه لايعالجه، أذكر أنني مرة ذهبت للطوارئ لألم معين، وطلبت مسكنا فرفض الطبيب إعطائي إياه، لأن المسكن سيريحني مؤقتا لكنه يخفي الأعراض التي يحتاج الطبيب معرفتها ليشخص المشكلة الحقيقية.

أقول لطالباتي دوما إن الاختبار الصادق (الذي يقيس ماوضع لقياسه فعلا) في مصلحتهن وإن كانت نتائجه لا تسرّ، فهو يساعدني على تشخيص مشكلات التعليم والتعلم وتقديم تدريس أفضل وتشخيص أدق للمشكلات، مما يرفع قدراتهن وتحصيلهن في النهاية، ويستمر معهن بعد انتهاء العام الدراسي، بينما الملخصات والأسئلة السطحية تعميني وتعمي الطالبة عن معرفة المستوى الحقيقي وتطويره، فهي بيانات مضللة.

هذه الظاهرة لم تُناقش أو تُبحث في سياقنا المحلي والعربي بما فيه الكفاية، رغم الضجة الشديدة حولها في الولايات المتحدة وبريطانيا في التسعينيات وبداية الألفية، بل أزعم أن مصطلح (تضخم الدرجات) لم يطرق مسامع الكثيرين رغم ملاحظتهم للظاهرة نفسها، ولم أجد سوى دراسات قليلة منها دراسة الباحثة هيفاء القاضي4 عام ٢٠٠٥ م، والمنشورة في مجلة رسالة الخليج العربي بعنوان: تضخم الدرجات وارتفاعها : دراسة تحليلية لنتائج طالبات الثانوية العامة في منطقتي الرياض والمدينة المنورة للعام الدراسي 1422 – 1423 هـ، حيث توصلت الدراسة إلى أن تضخم الدرجات في المدارس الأهلية آنذاك أكثر منه في المدارس الحكومية، وأن التضخم ظهر في الدرجات التي تمنحها المعلمات للطالبات (درجات الفصل الدراسي الأول وأعمال السنة للفصل الدراسي الثاني) وليس في درجات الاختبار الوزاري الذي يُصحّح مركزيا، مما يدعم الفرضية القائلة بأن التساهل في التقييم بهدف مساعدة الطلاب له دور بارز في هذه الظاهرة.

أما دراسة عبدالإله القرني5 عام ٢٠٢٤م فكانت بعنوان: نسب تضخم الدرجات في عينة من مقررات الدراسات العليا بجامعة الملك عبد العزيز، حيث حلل الباحث ٦٢١ سجلا للطلاب خلال أربعةفصول دراسية عامي ٢٠٢٣م و٢٠٢٤م، وقد توصلت إلى زيادة في متوسط الحاصلين على فئات درجات A+ و A و B+ فيما انخفضت نسبة الحاصلين على فئات B وC+ و C ولم يحصل أي من الطلاب على فئات D و F وربطت الدراسة بين تضخم درجات الطلاب والاعتماد الأكاديمي الذي كانت تطمح له برامج الدراسات العليا، والتوقعات العالية لطلاب الدراسات العليا حول الدرجات، بالإضافة لضعف الأمان الوظيفي لدى أساتذة الدراسات العليا من ذوي العقود المؤقتة وخوفهم من إعطاء تقييمات متدنية للطلاب.

كما تناولت دراسة الباحثة منيرة العجمي6 عام ٢٠٢٥م في الكويت هذه الظاهرة وكانت بعنوان: ظاهرة تضخم الدرجات: أسبابها وأثرها على جودة التعليم من وجهة نظر القيادات المدرسية في المرحلة الثانوية في المدارس الثانوية في مدارس التعليم العام بدولة الكويت، وقد أظهرت نتائج الدراسة أن من أهم أسباب تزايد تضخم الدرجات: التحول إلى التعليم عن بعد في جائحة كورونا وانتشار ظاهرة الغش، وأن لتضخم الدرجات أثرا سلبيا على جودة التعليم يتمثل في عدم معرفة الطلاب لقدراتهم الحقيقية مما يؤدي لتعثرهم مستقبلا.

أسباب هذه المشكلة مختلفة، وآثارها كبيرة، ومظاهرها متنوعة، وهي ظاهرة تستحق منا التوقف والتشخيص والتحليل والعلاج، سأبذل جهدي في مناقشتها في سلسلة مقالات تتناولها من عدة جوانب من حيث المظاهر والأسباب والآثار والحلول، أتشرف بمساهمة القارئ الجاد بما لديه، وأتمنى أن يتسم النقاش بكونه حوارا بنّاءًا يهدف لمصلحة طلابنا وأبنائنا قبل كل شيء.

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل

  1. االخليفة، حسن جعفر (٢٠١٧) مدخل إلى المناهج وطرق التدريس. مكتبة الرشد، ص١٣٦ ↩︎
  2. وزارة التعليم (٢٠٢٥). لائحة تقويم الطالب في التعليم العام ٢٠٢٥. ↩︎

  3. Radavoi, C. N., Quadrelli, C., & Collins, P. (2025). Moral Responsibility for Grade Inflation: Where Does It Lie? CN Radavoi et al. Journal of Academic Ethics23(4), 1781-1798.‏

    ↩︎
  4. القاضي، هيفاء بنت سليمان. (2005). تضخم الدرجات وارتفاعها: دراسة تحليلية لنتائج طالبات الثانوية العامة في منطقتي الرياض والمدينة المنورة للعام الدراسي 1422 – 1423 هـ. رسالة الخليج العربي، س 26, ع 95 ، 67 – 109. مسترجع من http://search.mandumah.com/Record/20640 

    ↩︎
  5. القرني، عبدالإله بن محمد بن صالح. (2024). Grades Inflation Rates in a Sample of Graduate Courses at King Abdulaziz University. مجلة العلوم التربوية والنفسية، ع156 ، 556 – 576. مسترجع من http://search.mandumah.com/Record/1490265 

    ↩︎
  6. العجمي، منيرة خالد فيصل الهيلم. (2025). ظاهرة تضخم الدرجات: أسبابها وأثرها على جودة التعليم من وجهة نظر القيادات المدرسية في المرحلة الثانوية في مدارس التعليم العام بدولة الكويت.المجلة التربوية، مج39, ع154 .74 – 45 ، مسترجع من Record/com.mandumah.search//:http/156313 ↩︎

عن التبرير والسخرية والهجوم بوصفها حيلا نفسية

السعي للذة والهروب من الألم أحد أهم الاحتياجات الأصيلة المشتركة عند البشر، ويقابل هذه الحقيقة الإنسانية الثابتة حقيقة حياتية لا تقل عنها ثباتا وصمودا في وجه الزمن: معالي الأمور صعبة وشاقة، وسفسافها سهل مريح.

ومن هنا تنشأ المفارقة: يرغب الإنسان في لذة المعالي، ويكره ألمها، لكن المرور عبر قنطرة الألم شرط للوصول لسعادة النتيجة، والإنسان مجبول على قصر النظر وحب العاجلة، وتفضيل اللذة الآنية على الآجلة، والهرب من الألم الحاضر وتأجيله للمستقبل.

من أراد الصحة الجيدة، فعليه ترك الراحة وممارسة الرياضة، وعليه مقاومة الرغبة في الأكل المضر والصبر على الأكل الصحي، ومن أراد المستقبل المشرق فعليه الاجتهاد في الدراسة وبناء المهارات، وترك الملهيات والمشتتات، ومن أراد الاستثمار في علاقاته، فعليه الصبر على حسن التعامل مع الناس مع حفظ حدوده، ومن أراد الاستثمار في تربية أبنائه فعليه بذل الجهد والوقت وعدم الاكتفاء برميهم أمام الشاشات، والأمثلة لا تحصى، وأهمها على الإطلاق: من أراد رضى الله والفوز بالجنة فعليه أن يعلم أن الجنة حُفّت بالمكاره، والنار حُفّت بالشهوات!

يعلم الإنسان يقينا صحة ما ورد في الفقرة السابقة، لكن الالتزام به صعب، وتذكر الإنسان أنه مسؤول عن نفسه واختياراته، يجعل شعوره بالذنب مضاعفا حين يقصر في بذل أسباب الفلاح، فهو أمام أمرين: إما أن يتحمل ألم القيام بما يجب، وهذا أمر مؤلم، أو أن يتحمل ألم لوم النفس على تقصيرها، وهذا أمر أشد إيلاما !

وقد اتفقنا سابقا أن أحد احتياجات الإنسان الأصيلة المتجذرة في غريزته: الهروب من الألم، فهو يهرب من ألم السعي لمعالي الأمور بالركون للتسويف والكسل، لكن كيف يهرب من ألم تأنيب الضمير والاعتراف بالمسؤولية عن التقصير؟

الحقيقة أن فهم استراتيجية النفس الإنسانية في التعامل مع هذا الألم تحديدا مفتاح لفهم الكثير عن النفس، والعلاقات، وسيكولوجية المجتمع والنفس البشرية في كل العصور، الشعور بالذنب مؤلم جدا، ويستيقظ الشعور بالذنب في موقفين: عند سماع نصيحة صادقة، أو رؤية إنسان يقوم بالفعل الذي تكاسل عنه الإنسان، ويسعى معظم البشر لكبت تأنيب الضمير وإصماته وتخديره، عبر حيل نفسية منها:

١- التبرير: يبرر الإنسان تقصيره بأعذار شتى تريحه من عناء تحمل المسؤولية وبذل الجهد، فهو لا يحقق معدلا جيدا لأن الأستاذ سيء أو ظالم، ولا يمارس الرياضة لأنه لا وقت لديه، ولا يستثمر في علاقاته لأن الناس سيئون….الخ.

٢- الهجوم والسخرية: يقلق الإنسان من الفجوة بين وضعه الحالي، والوضع الذي من المفترض أن يكون عليه، والعاقل يردم الفجوة بينهما بمحاولة رفع سلوكه لتتفق مع المعايير، لكن المخادع لنفسه يردم الفجوة بهدم المعايير، والسخرية منها وممن ينشرها بين الناس، أو يتمثلها في سلوكه، والهجوم عليهما.

لذلك ترى صاحب الحساب الذي يروج للتفاهة محبوبا، بينما من يعرض توعية صحية أو مهنية أو تربوية يهاجم ويُسخَر منه، أو على الأقل يوصف ما يقدمه بالمثالي لمبررات كثيرة، مما يجعل صوت التفاهة عاليا، وصوت الصدق خافتا في عالمنا الواقعي وفضائنا الافتراضي!

أتمنى فعلا أن يقود العقلاء الموقف، ولا يتركوا لمن يشعر بالنقص ويريد تخدير تأنيب ضميره بأن يسود ويكتب دستور مجتمعنا، لنزاحم أصحاب التبرير والسخرية والهجوم في أحاديث المجالس، ولنزاحمهم في تعليقات وسائل التواصل، لماذا نترك صاحب المحتوى الجيد يشك في نفسه، ويحجم عن نشر المحتوى المفيد لأنه يرى أن الناس لا يستحقون من يبذل لهم الخير، ولنربّ أنفسنا وأبناءنا على الاعتراف بأن التبرير والسخرية والهجوم على من يقول الصواب ماهي إلا حيل نفسية تقعد الإنسان عن المعالي وتجعله سببا في ضمور الخير والمعنى وتضخم الهشاشة والتفاهة!

كيف تولد الكلمات؟ تجربتي مع دروس الكتابة في الصف

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

باعتباري معلمة للغة الانجليزية لخمس عشرة سنة خلت من عمري، أكاد أزعم أنه تكونت لدي خبرة في تدريس المهارات الأربع للغة الانجليزية باعتبارها لغة ثانية، وهذه المهارات هي: القراءة والكتابة، والاستماع والتحدث، ولعلي أدوّن شيئا من تجاربي في هذا الموضوع، حفظًا للحادثات من الضياع في متاهات الذاكرة، وتدوينًا للتجربة، ونفعًا للغير.

الكتابة مهارة صعبة، وشاقة، وليست باليسيرة أبدا، حتى في اللغة الأم، كم شخصا تعرفه يفهم لغته العربية ويتحدث بها لكنه لا يقرأ ولا يكتب؟ وكم شخصا تعرفه يفهم لغته ويقرأ بها ويكتب، لكن كتابته لا ترتقي لإنتاج نص كتابي أصيل، فهو يكتب اسمه وبياناته وبعض الأمور المستعجلة، لكن ماذا لو طلبت منه كتابة مقال حِجاجي يبيّن فيه وجهة نظر معينة ويدافع عنها؟ هل سيستطيع سبك المقال كما ينبغي؟ هل ستكون أفكاره واضحة ولغته مقنعة وخالية من الأخطاء اللغوية ومناسبة للمقام؟ نعلم جميعا أنها ليست مهارة سهلة، وأن من يمتلكونها قلة، ومادام الأمر كذلك باللغة الأم للإنسان، فكيف ستكون صعوبته في اللغة التي يكتسبها لاحقًا؟

ومع هذه الصعوبة، فإن مهارة الكتابة مهمة، وخاصة لمن يتعلم اللغة الانجليزية لأغراض أكاديمية ومهنية، وهم الفئة التي يندرج طلابنا تحتها، فنحن نعلمهم مهارات اللغة الانجليزية لينتفعوا بها لاحقا في دراستهم الجامعية وفي سوق العمل، وفي تلك السياقات المستقبلية ستتكشف مهاراتهم الحقيقية، سيُطلب منهم كتابة بحوث علمية باللغة الانجليزية في بعض التخصصات، وإجابات مقالية طويلة في الاختبار، كما سيُطلب منهم في سوق العمل كتابة رسائل البريد الالكتروني والتقارير وغيرها باللغة الانجليزية في معظم الشركات، فضلا عما سيمرون به في الاختبارات الدولية مثل الايلتس والتوفل وغيرها من الاختبارات التي تخضعهم لمهام كتابية تفحص قدراتهم الحقيقية، في تلك السياقات، يتمنى الطالب لو عاد لمراحل التعليم العام واكتسب هذه المهارة جيدا، وهنا تبرز مسؤولية معلم اللغة الانجليزية في إعداد الطالب جيدا، وعدم الاكتفاء بتعليم هزيل ومهام سطحية تضمن درجات مرتفعة دون تعلم حقيقي.

ومن الممارسات المستفزة في تدريس الكتابة في كثير من المدارس، أن معلم اللغة الانجليزية يرى البَون شاسعًا بين مستوى الطالب الضعيف وثروته اللغوية الهزيلة ومهارته الواهية، وتلك المهمة الكتابية المطلوبة في الكتاب المدرسي، مما يجعله يتخذ الطريق المختصر، أو ما يسميه هابرماس (الفعل الاستراتيجي) الرامي لتحقيق الهدف المطلوب دون استحضار للغايات، فيطلب من طلابه كتابة الموضوع في المنزل، والنتيجة مقالات رائعة ومصقولة لغويا ولا تحتاج لجهد من الطالب في إعدادها أو من المعلم لتصحيحها، فقد قامت التقنية أو شخص متمرس بالأمر نيابة عن الطالب، وقدم الطالب مقالا لم يكتب فيه حرفا واحدا وحصل على العلامة كاملة في المهمة المطلوبة، ومطلوب منه في الاختبار أن يحفظ المقال عن ظهر قلب، ويرسمه على ورقة الاختبار رسمًا صوريًّا، ثم يحظى مرة أخرى بالعلامة كاملة لقدرته البارعة على النسخ، ويفرح المعلم، والوالدان ومدير المدرسة بهذا الطالب الألمعي المتفوق!

طورت عبر السنوات ممارستي الخاصة التي أريد بها النأي عن هذا المسلك الهزيل، وهي أن أطلب من الطالبات الكتابة في الصف، خلال ٤٥ دقيقة فقط، تتحول حصة الكتابة لورشة عمل، ولنضرب مثالا على وحدة تتناول موضوع (الوظائف) والمهارات المطلوبة في سوق العمل، فالمهمة المطلوبة في النهاية هي كتابة سيرة ذاتية، وأقدمها على النحو التالي:

أولا: مهمة الكتابة في مقررات اللغة الانجليزية تأتي في ختام كل وحدة دراسية، فهي تمثل تاج المهارات وختامها، حيث أبلغ الطالبات بالاستعداد لها وبطبيعتها من بداية الوحدة، بتعلم للمفردات اللازمة، ومنها مثلا: المهارات المطلوبة لسوق العمل قي القرن الحادي والعشرين (موجودة في الدرس الأول من الوحدة)، والقيام في درس القواعد بتكوين الجمل، مثلا قواعد هذه الوحدة تدور حول الفرق بين نوعي الزمن المضارع التام (البسيط والمستمر) فأحدهما يستخدم للدلالة على المدة المستغرقة في عمل ما، والآخر للدلالة على عدد الأمور المنجزة خلال هذه المدة، ومن هنا يمكن استثمارهما في الكتابة بالتعبير عن خبرات المتقدم للوظيفة، وكم له من الزمن في وظيفته الحالية، كما يكون جملة عن عدد الأعمال التي قدمها خلال هذه المدة.

ثانيا: أحاول استثارة دافعية الطالبات للمهمة قبل أن يحين وقتها، وأربطها بدوافعهن الشخصية، لا بالدرجات والاختبارات، فكلنا يحلم بوظيفة مرموقة في مكان ملهم، وكتابة السيرة الذاتية مهارة مهمة ينبغي اكتسابها مبكرا وصقلها لاحقا، وكم من شخص ذي كفاءة ومؤهلات ومهارات ضاعت عليه الفرص بسبب افتقاره لمهارات مثل الإجابة على أسئلة المقابلة الوظيفية أو كتابة السيرة الذاتية باحترافية، وهذه فرصة ذهبية للمارسة الأمر دون خوف، واكتسابه ضمن رحلة التعلم، وهي فرصة لتخيل المستقبل ولحظة تتويج الجهد الدراسي بالتقدم للوظيفة التي تليق بهذا الجهد، وعندما تدرك الطالبة ارتباط المهمة التي تقوم بها بحياتها الواقعية، ترتفع دافعيتها، فكثير من الطلاب يفقد الدافعية والاستمتاع بالدراسة لأنه يرى أنه يدرس أمورا تهدف لحصوله على الدرجات فقط، ولا علاقة لها بمهاراته وحياته اليومية، ولا يرى لها فائدة مباشرة.

ثالثا: بعد هذين الجانبين من الاستعداد المعرفي والوجداني، تأتي حصة الكتابة ونبدأ فيها مرحلة التحليل والقراءة لنص جاهز (وتوفر المقررات هذا النص في كل درس كتابة) فمثلا ننظر للسيرة الذاتية الواردة في الكتاب ونحللها لمكوناتها: المعلومات الشخصية، المؤهلات، الخبرات، ثم نحلل اللغة المستخدمة وهي لغة رسمية Formal حيث لابد في الكتابة من مطابقة المقام للمقال، فلا يصح كتابة السيرة الذاتية بأسلوب ودي أو ساخر مثلا، والبريد الالكتروني لابد أن يكون رسميا ويحمل الاسم الحقيقي لصاحبه، كما ننظر لشكل الكتابة، وهل هي فقرات متتابعة؟ أم لها تنسيق معين؟ لنكتشف أن لها قالبًا ينبغي اتباعه لتسهيل قراءتها من قبل موظف الموارد البشرية الذي ستصله مئات السير الذاتية وينبغي أن يفرزها بسرعة، فينبغي كتابتها بوضوح وتنظيم معين يسهل قراءتها ويتبع الأعراف المتبعة في سوق العمل لذلك.

رابعًا: تبدأ مرحلة الإعداد الأولي، وهو تبديل المعلومات في النص الأصلي لكتابة نص مختلف تماما، مطابق للأول في الهدف والوظيفة اللغوية، ومغاير في المحتوى، فالوظيفة في النص الجاهز هي وظيفة معدّ برامج تلفزيونية، وقد وضع من المؤهلات والخبرات والمهارات ما يتلاءم مع الوظيفة التي تقدم لها، والمطلوب من الطالبة الآن تخيّل وظيفة مستقبلية تتقدم لها، وكتابة المؤهلات والخبرات والمهارات المتلائمة معها، هنا ستفعّل الطالبة ما تعلمته في الوحدة من مهارات مطلوبة لسوق العمل، ومن قواعد لكتابة الخبرات والإنجازات، ويمكن أن تواجه صعوبة في مفردات بعض المؤهلات، ولا مانع من مساعدة المعلمة هنا، ولابد في هذه المرحلة من مراعاة الاتساق المنطقي في النص Consistency حيث ينبغي أن تتلاءم المؤهلات والخبرات والمهارات مع الوظيفة المتقدم لها.

خامسا: تبدأ مرحلة الكتابة والتحرير، وبعد كل هذا الاستعداد المسبق، فإنها تستغرق عشر دقائق أو أقل، فالنص مكتمل الأركان في ذهن الطالبة، ولا يحتاج إلا لتحرير، وبعد الانتهاء منه يمكن عرضه على زميلة قبل تسليمه للمعلمة نهاية الحصة.

ومن فوائد هذا الأمر أن الطالبة تعيش فيه تجربة الكتابة الفعلية، وتخوض تحدياتها، فقد تكتشف أن مخزونها اللغوي من المفردات لا يسعفها، أو أنها لم تركب الجملة بشكل صحيح لضعف تمكنها من القاعدة اللغوية، أو أن الإملاء الصحيح للكلمة لم يحضرها، مما يجعلها واعية بما تحتاجه من تطوير، مما يثري تعلمها الذاتي.

وبعد استلام الأوراق أقوم بالتصحيح وفحص الأوراق لأجد أمامي مستوى طالباتي الحقيقي بلا تزييف، فهذا نصٌّ كتبته الطالبة بنفسها، ولم يكن أمامها من مصادر سوى الكتاب المدرسي، لم يساعدها فيه شخص متمرس، ولا مركز أبحاث، ولا موقع، ولا تطبيق للذكاء الصناعي، أمامي مرآة حقيقية مستوى كل طالبة تريني نقاط قوتها وضعفها بصدق واستثمرها في تخصيص تجربتها التعليمية.

ومن أمثلة ذلك: لاحظت أن إحدى طالباتي في بداية أحد الأعوام الدراسية تمتلك طلاقة لغوية عالية في التحدث بموضوعات شتى في الفصل، لكن عند أداء المهمة الكتابية بدت كثرة الأخطاء الإملائية، مما أثار استغرابي لوهلة، لكنني استنتجت أمرا ظهرت لي صحته عندما استفسرت منها: وهو أنها اكتسبت اللغة مشافهة، لا عبر القراءة! هي سمعت اللغة ولم تقرأها، فخزّن عقلها الثروة اللغوية مع نطقها السليم دون صورتها المكتوبة، فنصحتُها بالقراءة، وإن لم تستطع فعلى الأقل تشاهد المواد المرئية مشفوعة بالتعليقات النصية Captions بنفس اللغة الانجليزية التي تستمع للمادة بها، وقد رأيت في نهاية العام الدراسي تطورا ملحوظا في قلة أخطائها الإملائية وفرحها بذلك، وفرحي بها، تلك الغبطة التي تغمر قلب المعلم حين يرى طلابه وقد تقدموا وارتقوا وأنه قد أحدث في حياتهم فرقا ولو طفيفا، وتلك أشياء لا تشترى !

لماذا نحتاج إلى فلسفة التعليم؟

لم يكن التعليم يوما مجرد حشو معلومات في أذهان الطلاب وتدريبهم على مهارات كما تُلقّن الآلات البيانات وأوامر البرمجة، التعليم مشروع بناء إنسان، وتشييد أوطان ومجتمعات، فهو مرتبط ولابد بأساس فكري يحدد: لماذا نُعلّم؟ وماذا نُعلّم؟ وكيف نُعلّم؟ وهنا تكمن أهمية فلسفة التعليم، وأهمية إدراك المعلم لها قبل غوصه في تفاصيل معلومات المقرر الذي يتناوله، واستراتيجيات تدريسه.

إن الفلسفة عموما تعني: “حب الحكمة”، ولكن عندما تُذكر كلمة (فلسفة) يتبادر إلى أذهان معظم الناس مفاهيم مغلوطة، مرتبطة بالكلام الصعب المعقّد، أو الإشكالات العقَدية الغامضة، وهذا مرتبط بسياقات ثقافية معينة أدت إلى شيوع هذه المفاهيم، لكن لنركز على فلسفة التعليم ونقول إنها بوضوح: الأساس الفكري للعملية التعليمية، حيث تُحدد أمورًا مثل:

  • ما الهدف من التعليم؟ فمثلا، هل نعلم الطلاب لتستنير عقولهم، وتنشط إمكاناتهم ومواهبهم وتنمو شخصياتهم وثقافتهم؟ أم نعلمهم لنهيئهم لسوق العمل وكسب الرزق؟ أم للأمرين معا؟
  • ما طبيعة المعرفة؟ هل هي حقائق ثابتة؟ أم هي متغيرة بالتجربة والخبرة والجدوى والنفع؟ أم هي أمر يبنيه المتعلمون معا حين يتناولون موضوعًا بالنقاش؟
  • ما دور المعلم والطالب؟ هل المعلم مصدر المعرفة والطالب متلقٍ لها بين يدي معلمه؟ أم أن الطالب هو محور العملية التعليمية والمعلم له دور التيسير والإشراف؟ أم أن العملية التعليمية تدور حول التواصل الفعّال بينهما والذي يقومان فيه بأدوار متكافئة؟

 ما الفِكر الذي يكمن خلف المنهج؟ وخلف النشاط المدرسي؟ وخلف تنظيم اليوم الدراسي؟ وأنشطة النمو المهني؟ وخلف كثير من الممارسات التطبيقية، إذ لابد من أساس نظري فكري مضمّن يقف خلف كل ممارسة تطبيقية ظاهرة، وإلا تحولت التطبيقات اليومية لشذراتٍ متناثرة لا رابط بينها ولا اتصال، بل قد ينقض بعضها بعضا، ويتحول التعليم لثوب مرقّع لا هوية له ولا أساس. إن كل نظام تعليمي بحاجة لفلسفة واضحة، تحدد أهدافه، وتبني مناهجه على أسس راسخة، وتوجه طرق التدريس المتبعة فيه، وتفسر دور المعلم والمتعلم، وتعين على مواجهة التحديات المعاصرة.

يقول جون ديوي: “إن الفلسفة هي النظرية العامة للتعليم”، وتتعدد فلسفات التعليم بقدر التنوع الفكري في هذا العالم، فهناك الفلسفة الإسلامية، والمثالية، والواقعية، والنفعية، والتواصلية، والنقدية وغيرها الكثير مما سأتناوله بإذن الله في مقالات قادمة، وسيبين كيف تتباين التطبيقات التعليمية باختلاف الفلسفات التي تنطلق منها.

إن ما أريد أن أصل إليه في ختام هذا المقال، هو أهمية وعي المعلم بفلسفة التعليم، وأن يعرف المعلم الفكرة الفلسفية التي تنبثق منها ممارسة معينة، كي يكون على بينة وعلم بالأساس النظري الفكري للتطبيقات اليومية، إن كل ممارسة تقف خلفها فكرة، ومن الخلل أن نطبق ممارسة معينة دون إدراك لخلفيتها الفكرية، إننا بحاجة لنقلة نوعية في النمو المهني للمعلم من مجرد الغوص في تفاصيل التطبيقات والممارسات التعليمية إلى الوعي بفلسفة التعليم، نحن نريد معلما يمتلك فكرًا ناقدًا أصيلًا، لا مجرد فني يطبق كل جديد بمهارة فحسب.