كيف تولد الكلمات؟ تجربتي مع دروس الكتابة في الصف

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

باعتباري معلمة للغة الانجليزية لخمس عشرة سنة خلت من عمري، أكاد أزعم أنه تكونت لدي خبرة في تدريس المهارات الأربع للغة الانجليزية باعتبارها لغة ثانية، وهذه المهارات هي: القراءة والكتابة، والاستماع والتحدث، ولعلي أدوّن شيئا من تجاربي في هذا الموضوع، حفظًا للحادثات من الضياع في متاهات الذاكرة، وتدوينًا للتجربة، ونفعًا للغير.

الكتابة مهارة صعبة، وشاقة، وليست باليسيرة أبدا، حتى في اللغة الأم، كم شخصا تعرفه يفهم لغته العربية ويتحدث بها لكنه لا يقرأ ولا يكتب؟ وكم شخصا تعرفه يفهم لغته ويقرأ بها ويكتب، لكن كتابته لا ترتقي لإنتاج نص كتابي أصيل، فهو يكتب اسمه وبياناته وبعض الأمور المستعجلة، لكن ماذا لو طلبت منه كتابة مقال حِجاجي يبيّن فيه وجهة نظر معينة ويدافع عنها؟ هل سيستطيع سبك المقال كما ينبغي؟ هل ستكون أفكاره واضحة ولغته مقنعة وخالية من الأخطاء اللغوية ومناسبة للمقام؟ نعلم جميعا أنها ليست مهارة سهلة، وأن من يمتلكونها قلة، ومادام الأمر كذلك باللغة الأم للإنسان، فكيف ستكون صعوبته في اللغة التي يكتسبها لاحقًا؟

ومع هذه الصعوبة، فإن مهارة الكتابة مهمة، وخاصة لمن يتعلم اللغة الانجليزية لأغراض أكاديمية ومهنية، وهم الفئة التي يندرج طلابنا تحتها، فنحن نعلمهم مهارات اللغة الانجليزية لينتفعوا بها لاحقا في دراستهم الجامعية وفي سوق العمل، وفي تلك السياقات المستقبلية ستتكشف مهاراتهم الحقيقية، سيُطلب منهم كتابة بحوث علمية باللغة الانجليزية في بعض التخصصات، وإجابات مقالية طويلة في الاختبار، كما سيُطلب منهم في سوق العمل كتابة رسائل البريد الالكتروني والتقارير وغيرها باللغة الانجليزية في معظم الشركات، فضلا عما سيمرون به في الاختبارات الدولية مثل الايلتس والتوفل وغيرها من الاختبارات التي تخضعهم لمهام كتابية تفحص قدراتهم الحقيقية، في تلك السياقات، يتمنى الطالب لو عاد لمراحل التعليم العام واكتسب هذه المهارة جيدا، وهنا تبرز مسؤولية معلم اللغة الانجليزية في إعداد الطالب جيدا، وعدم الاكتفاء بتعليم هزيل ومهام سطحية تضمن درجات مرتفعة دون تعلم حقيقي.

ومن الممارسات المستفزة في تدريس الكتابة في كثير من المدارس، أن معلم اللغة الانجليزية يرى البَون شاسعًا بين مستوى الطالب الضعيف وثروته اللغوية الهزيلة ومهارته الواهية، وتلك المهمة الكتابية المطلوبة في الكتاب المدرسي، مما يجعله يتخذ الطريق المختصر، أو ما يسميه هابرماس (الفعل الاستراتيجي) الرامي لتحقيق الهدف المطلوب دون استحضار للغايات، فيطلب من طلابه كتابة الموضوع في المنزل، والنتيجة مقالات رائعة ومصقولة لغويا ولا تحتاج لجهد من الطالب في إعدادها أو من المعلم لتصحيحها، فقد قامت التقنية أو شخص متمرس بالأمر نيابة عن الطالب، وقدم الطالب مقالا لم يكتب فيه حرفا واحدا وحصل على العلامة كاملة في المهمة المطلوبة، ومطلوب منه في الاختبار أن يحفظ المقال عن ظهر قلب، ويرسمه على ورقة الاختبار رسمًا صوريًّا، ثم يحظى مرة أخرى بالعلامة كاملة لقدرته البارعة على النسخ، ويفرح المعلم، والوالدان ومدير المدرسة بهذا الطالب الألمعي المتفوق!

طورت عبر السنوات ممارستي الخاصة التي أريد بها النأي عن هذا المسلك الهزيل، وهي أن أطلب من الطالبات الكتابة في الصف، خلال ٤٥ دقيقة فقط، تتحول حصة الكتابة لورشة عمل، ولنضرب مثالا على وحدة تتناول موضوع (الوظائف) والمهارات المطلوبة في سوق العمل، فالمهمة المطلوبة في النهاية هي كتابة سيرة ذاتية، وأقدمها على النحو التالي:

أولا: مهمة الكتابة في مقررات اللغة الانجليزية تأتي في ختام كل وحدة دراسية، فهي تمثل تاج المهارات وختامها، حيث أبلغ الطالبات بالاستعداد لها وبطبيعتها من بداية الوحدة، بتعلم للمفردات اللازمة، ومنها مثلا: المهارات المطلوبة لسوق العمل قي القرن الحادي والعشرين (موجودة في الدرس الأول من الوحدة)، والقيام في درس القواعد بتكوين الجمل، مثلا قواعد هذه الوحدة تدور حول الفرق بين نوعي الزمن المضارع التام (البسيط والمستمر) فأحدهما يستخدم للدلالة على المدة المستغرقة في عمل ما، والآخر للدلالة على عدد الأمور المنجزة خلال هذه المدة، ومن هنا يمكن استثمارهما في الكتابة بالتعبير عن خبرات المتقدم للوظيفة، وكم له من الزمن في وظيفته الحالية، كما يكون جملة عن عدد الأعمال التي قدمها خلال هذه المدة.

ثانيا: أحاول استثارة دافعية الطالبات للمهمة قبل أن يحين وقتها، وأربطها بدوافعهن الشخصية، لا بالدرجات والاختبارات، فكلنا يحلم بوظيفة مرموقة في مكان ملهم، وكتابة السيرة الذاتية مهارة مهمة ينبغي اكتسابها مبكرا وصقلها لاحقا، وكم من شخص ذي كفاءة ومؤهلات ومهارات ضاعت عليه الفرص بسبب افتقاره لمهارات مثل الإجابة على أسئلة المقابلة الوظيفية أو كتابة السيرة الذاتية باحترافية، وهذه فرصة ذهبية للمارسة الأمر دون خوف، واكتسابه ضمن رحلة التعلم، وهي فرصة لتخيل المستقبل ولحظة تتويج الجهد الدراسي بالتقدم للوظيفة التي تليق بهذا الجهد، وعندما تدرك الطالبة ارتباط المهمة التي تقوم بها بحياتها الواقعية، ترتفع دافعيتها، فكثير من الطلاب يفقد الدافعية والاستمتاع بالدراسة لأنه يرى أنه يدرس أمورا تهدف لحصوله على الدرجات فقط، ولا علاقة لها بمهاراته وحياته اليومية، ولا يرى لها فائدة مباشرة.

ثالثا: بعد هذين الجانبين من الاستعداد المعرفي والوجداني، تأتي حصة الكتابة ونبدأ فيها مرحلة التحليل والقراءة لنص جاهز (وتوفر المقررات هذا النص في كل درس كتابة) فمثلا ننظر للسيرة الذاتية الواردة في الكتاب ونحللها لمكوناتها: المعلومات الشخصية، المؤهلات، الخبرات، ثم نحلل اللغة المستخدمة وهي لغة رسمية Formal حيث لابد في الكتابة من مطابقة المقام للمقال، فلا يصح كتابة السيرة الذاتية بأسلوب ودي أو ساخر مثلا، والبريد الالكتروني لابد أن يكون رسميا ويحمل الاسم الحقيقي لصاحبه، كما ننظر لشكل الكتابة، وهل هي فقرات متتابعة؟ أم لها تنسيق معين؟ لنكتشف أن لها قالبًا ينبغي اتباعه لتسهيل قراءتها من قبل موظف الموارد البشرية الذي ستصله مئات السير الذاتية وينبغي أن يفرزها بسرعة، فينبغي كتابتها بوضوح وتنظيم معين يسهل قراءتها ويتبع الأعراف المتبعة في سوق العمل لذلك.

رابعًا: تبدأ مرحلة الإعداد الأولي، وهو تبديل المعلومات في النص الأصلي لكتابة نص مختلف تماما، مطابق للأول في الهدف والوظيفة اللغوية، ومغاير في المحتوى، فالوظيفة في النص الجاهز هي وظيفة معدّ برامج تلفزيونية، وقد وضع من المؤهلات والخبرات والمهارات ما يتلاءم مع الوظيفة التي تقدم لها، والمطلوب من الطالبة الآن تخيّل وظيفة مستقبلية تتقدم لها، وكتابة المؤهلات والخبرات والمهارات المتلائمة معها، هنا ستفعّل الطالبة ما تعلمته في الوحدة من مهارات مطلوبة لسوق العمل، ومن قواعد لكتابة الخبرات والإنجازات، ويمكن أن تواجه صعوبة في مفردات بعض المؤهلات، ولا مانع من مساعدة المعلمة هنا، ولابد في هذه المرحلة من مراعاة الاتساق المنطقي في النص Consistency حيث ينبغي أن تتلاءم المؤهلات والخبرات والمهارات مع الوظيفة المتقدم لها.

خامسا: تبدأ مرحلة الكتابة والتحرير، وبعد كل هذا الاستعداد المسبق، فإنها تستغرق عشر دقائق أو أقل، فالنص مكتمل الأركان في ذهن الطالبة، ولا يحتاج إلا لتحرير، وبعد الانتهاء منه يمكن عرضه على زميلة قبل تسليمه للمعلمة نهاية الحصة.

ومن فوائد هذا الأمر أن الطالبة تعيش فيه تجربة الكتابة الفعلية، وتخوض تحدياتها، فقد تكتشف أن مخزونها اللغوي من المفردات لا يسعفها، أو أنها لم تركب الجملة بشكل صحيح لضعف تمكنها من القاعدة اللغوية، أو أن الإملاء الصحيح للكلمة لم يحضرها، مما يجعلها واعية بما تحتاجه من تطوير، مما يثري تعلمها الذاتي.

وبعد استلام الأوراق أقوم بالتصحيح وفحص الأوراق لأجد أمامي مستوى طالباتي الحقيقي بلا تزييف، فهذا نصٌّ كتبته الطالبة بنفسها، ولم يكن أمامها من مصادر سوى الكتاب المدرسي، لم يساعدها فيه شخص متمرس، ولا مركز أبحاث، ولا موقع، ولا تطبيق للذكاء الصناعي، أمامي مرآة حقيقية مستوى كل طالبة تريني نقاط قوتها وضعفها بصدق واستثمرها في تخصيص تجربتها التعليمية.

ومن أمثلة ذلك: لاحظت أن إحدى طالباتي في بداية أحد الأعوام الدراسية تمتلك طلاقة لغوية عالية في التحدث بموضوعات شتى في الفصل، لكن عند أداء المهمة الكتابية بدت كثرة الأخطاء الإملائية، مما أثار استغرابي لوهلة، لكنني استنتجت أمرا ظهرت لي صحته عندما استفسرت منها: وهو أنها اكتسبت اللغة مشافهة، لا عبر القراءة! هي سمعت اللغة ولم تقرأها، فخزّن عقلها الثروة اللغوية مع نطقها السليم دون صورتها المكتوبة، فنصحتُها بالقراءة، وإن لم تستطع فعلى الأقل تشاهد المواد المرئية مشفوعة بالتعليقات النصية Captions بنفس اللغة الانجليزية التي تستمع للمادة بها، وقد رأيت في نهاية العام الدراسي تطورا ملحوظا في قلة أخطائها الإملائية وفرحها بذلك، وفرحي بها، تلك الغبطة التي تغمر قلب المعلم حين يرى طلابه وقد تقدموا وارتقوا وأنه قد أحدث في حياتهم فرقا ولو طفيفا، وتلك أشياء لا تشترى !

لماذا نحتاج إلى فلسفة التعليم؟

لم يكن التعليم يوما مجرد حشو معلومات في أذهان الطلاب وتدريبهم على مهارات كما تُلقّن الآلات البيانات وأوامر البرمجة، التعليم مشروع بناء إنسان، وتشييد أوطان ومجتمعات، فهو مرتبط ولابد بأساس فكري يحدد: لماذا نُعلّم؟ وماذا نُعلّم؟ وكيف نُعلّم؟ وهنا تكمن أهمية فلسفة التعليم، وأهمية إدراك المعلم لها قبل غوصه في تفاصيل معلومات المقرر الذي يتناوله، واستراتيجيات تدريسه.

إن الفلسفة عموما تعني: “حب الحكمة”، ولكن عندما تُذكر كلمة (فلسفة) يتبادر إلى أذهان معظم الناس مفاهيم مغلوطة، مرتبطة بالكلام الصعب المعقّد، أو الإشكالات العقَدية الغامضة، وهذا مرتبط بسياقات ثقافية معينة أدت إلى شيوع هذه المفاهيم، لكن لنركز على فلسفة التعليم ونقول إنها بوضوح: الأساس الفكري للعملية التعليمية، حيث تُحدد أمورًا مثل:

  • ما الهدف من التعليم؟ فمثلا، هل نعلم الطلاب لتستنير عقولهم، وتنشط إمكاناتهم ومواهبهم وتنمو شخصياتهم وثقافتهم؟ أم نعلمهم لنهيئهم لسوق العمل وكسب الرزق؟ أم للأمرين معا؟
  • ما طبيعة المعرفة؟ هل هي حقائق ثابتة؟ أم هي متغيرة بالتجربة والخبرة والجدوى والنفع؟ أم هي أمر يبنيه المتعلمون معا حين يتناولون موضوعًا بالنقاش؟
  • ما دور المعلم والطالب؟ هل المعلم مصدر المعرفة والطالب متلقٍ لها بين يدي معلمه؟ أم أن الطالب هو محور العملية التعليمية والمعلم له دور التيسير والإشراف؟ أم أن العملية التعليمية تدور حول التواصل الفعّال بينهما والذي يقومان فيه بأدوار متكافئة؟

 ما الفِكر الذي يكمن خلف المنهج؟ وخلف النشاط المدرسي؟ وخلف تنظيم اليوم الدراسي؟ وأنشطة النمو المهني؟ وخلف كثير من الممارسات التطبيقية، إذ لابد من أساس نظري فكري مضمّن يقف خلف كل ممارسة تطبيقية ظاهرة، وإلا تحولت التطبيقات اليومية لشذراتٍ متناثرة لا رابط بينها ولا اتصال، بل قد ينقض بعضها بعضا، ويتحول التعليم لثوب مرقّع لا هوية له ولا أساس. إن كل نظام تعليمي بحاجة لفلسفة واضحة، تحدد أهدافه، وتبني مناهجه على أسس راسخة، وتوجه طرق التدريس المتبعة فيه، وتفسر دور المعلم والمتعلم، وتعين على مواجهة التحديات المعاصرة.

يقول جون ديوي: “إن الفلسفة هي النظرية العامة للتعليم”، وتتعدد فلسفات التعليم بقدر التنوع الفكري في هذا العالم، فهناك الفلسفة الإسلامية، والمثالية، والواقعية، والنفعية، والتواصلية، والنقدية وغيرها الكثير مما سأتناوله بإذن الله في مقالات قادمة، وسيبين كيف تتباين التطبيقات التعليمية باختلاف الفلسفات التي تنطلق منها.

إن ما أريد أن أصل إليه في ختام هذا المقال، هو أهمية وعي المعلم بفلسفة التعليم، وأن يعرف المعلم الفكرة الفلسفية التي تنبثق منها ممارسة معينة، كي يكون على بينة وعلم بالأساس النظري الفكري للتطبيقات اليومية، إن كل ممارسة تقف خلفها فكرة، ومن الخلل أن نطبق ممارسة معينة دون إدراك لخلفيتها الفكرية، إننا بحاجة لنقلة نوعية في النمو المهني للمعلم من مجرد الغوص في تفاصيل التطبيقات والممارسات التعليمية إلى الوعي بفلسفة التعليم، نحن نريد معلما يمتلك فكرًا ناقدًا أصيلًا، لا مجرد فني يطبق كل جديد بمهارة فحسب.