ظاهرة تضخم الدرجات (١)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تشكل جودة مخرجات التعليم همًّا تربويا يشغل كل من له صلة بالتعليم: من أعلى هرم الوزارة إلى المعلمين والمدراء والمشرفين وأساتذة الجامعات وأولياء الأمور والطلاب أنفسهم، لو سألت كل واحد منهم: هل ترغب بمخرجات تعلم جيدة أم سيئة؟ فسيختار الجيدة ولا شك، هذا من حيث المبدأ، لكن من حيث التطبيق هناك ممارسات مختلفة وقناعات متباينة يسهم بعضها في حل المشكلة، بينما يفاقمها البعض الآخر.

كثير ممن ينتقد مخرجات التعليم يتجه نقده لأحد أمرين: إما للمقررات الدراسية، أو لطرق التدريس، ومن وجهة نظري، ليست المشكلة في المقررات الدراسية ولا في طرق التدريس، بل في جزء آخر من مكونات المنهج وهو (التقويم).

يهدف التقويم لتشخيص مشكلات التعليم وعلاجها في الوقت نفسه، وهو أحد أكثر مراحل منظومة التدريس أهمية، حيث يترتب عليه قرارات مهمة، فيُصدر من خلاله حكم دقيق وموضوعي على منظومة التدريس لتحديد مواطن ضعفها وقوتها1، وتعرّف وزارة التعليم التقويم2 بأنه: “عملية منهجية منظمة لجمع المعلومات وتحليلها واستخلاص نتائجها وإصدار أحكام وبناء خطط علاجية وتطويرية في ضوئها” كما بينت أن تقويم تعلم الطالب يهدف إلى: بيان مدى تقدمه نحو تحقيق مخرجات التعلم المحددة له في كل صف ومرحلة تعليمية، من أجل تحقيق الكفاءة العالية، وتقليل الهدر التعليمي، ويتنوع التقويم بين تقويم قبلي وتكويني وختامي، بأدوات كمية ونوعية، وفق أدوات متنوعة منها: الاختبارات (التحريرية والشفهية والعملية)، والواجبات المنزلية، والمشاركة، والبحوث والعروض والمهام الأدائية وغيرها.

ويتم التقويم عبر دورة تبدأ بتحديد الأهداف التعليمية، ثم اختيار طرق التقييم المناسبة، ثم جمع النتائج والبيانات، وبعدها تُحلل وتُفسّر نتائج البيانات، ثم تُتخذ إجراءات التحسين، كما يوضحها الشكل التالي:

إذا عملية التقويم التي نجمع من خلالها بيانات عن أداء الطالب ونعطيه بناء عليها أحكاما لفظية أو درجات كمية هي مسألة بالغة الأهمية وليست مجرد إجراء روتيني، بل هي أساس المعيار الذي يبين لنا هل تحققت أهداف التعلم أم لا؟ هل أتقن الطالب المهارة المحددة والمعرفة؟ أم يحتاج للمساعدة حتى يتقنها؟ ما الخلل في عملية التعليم والتعلم الذي ينبغي علاجه؟ كيف نعرف ذلك؟ بالتقويم الصادق الذي يكشف لنا بيانات حقيقية عن مدى تعلم الطالب، هل تعلم أم لم يتعلم؟ وإلى أي درجة أتقن هذه المعرفة أو المهارة؟ وبناء على هذه البيانات نقوم بتعديلات منهجية تعزز نقاط قوة الطالب وتعالج نقاط ضعفه.

التقويم هو مرآة التعليم الصادقة، يمكن أن نشبهه بالتحليل في المستشفى، كيف يمكن لمريض السكري معرفة نسبة السكر في دمه؟ عن طريق تحليل عينة من الدم ومعايرتها بمعيار مقنن ودقيق يكشف لنا الوضع بدقة، ويمكّن الطبيب من إجراء التدخل الطبي اللازم بخفض جرعة الانسولين أو زيادتها أو إبقائها على ماهي عليه. كيف يمكن للإنسان معالجة مشكلة السمنة؟ عن طريق الوقوف على الميزان أولا وتحديد نسبة الوزن الزائد (وربما كمية العضل والدهون) ووضع خطة غذائية ورياضية معينة، ثم متابعة التقدم عن طريق الوقوف على الميزان نفسه كل مرة، وتحديد ما إذا كان الوضع جيدا أو سيئا وما الخطوات اللازمة لتحقيق التقدم.

حسنا، ماذا لو كانت آلة تحليل الدم للسكري غير دقيقة وتقدم قراءات مضللة؟ ماذا لو كان الميزان معطوبا ويعطي وزنا غير حقيقي؟ هل يمكن علاج مشكلة السكري أو السمنة أو متابعة الوضع أصلا؟ لا، فدقة أداة التقويم مهمة جدا لجودة المخرجات، ومن هنا أتت مشكلة ضعف أدوات التقويم في التعليم وأثرها الكبير على ضعف المخرجات.

حين تقاس جودة مخرجات التعليم كميًّا بدرجات الطلاب، فهذا يعتمد على مدى صدق دلالة هذه الدرجات على المستوى التحصيلي والمهاري للطلاب، وهنا تبرز مشكلة واضحة: درجات الطلاب ترتفع في كل عام أكثر من ذي قبل، ومخرجاتهم تنخفض، يلاحظ هذا المعلم الذي يأتيه الطالب فاقدا لمهارات أساسية ومع ذلك درجاته مرتفعة في المادة في الأعوام السابقة، ويلاحظه ولي الأمر الذي يجد ابنه ضعيفا في اللغة العربية والانجليزية ومع ذلك درجاته فيهما تجعله في مصافّ المتفوقين الأوائل، كما لاحظت الجامعات ذلك حين قفزت معدلات الطلاب قفزات غير مسبوقة بعد إلغاء أسئلة الوزارة المركزية في الصف الثالث ثانوي فأضحى جميع الطلاب متفوقون فجأة وأصحاب معدلات مئوية، مما جعل من الصعب فرزهم وتمييز المتفوق فعلا من الذي زيدت درجاته وديّا وتساهلا، وأدى ذلك لاحقا لتقنين اختبارات معيارية من هيئة تقويم التعليم لضمان عدالة تقويم الطلاب، مما يقودنا لمشكلة تعرف في أدبيات البحث التربوي بمسمى: تضخم الدرجات Grade Inflation، وتعرّف ظاهرة تضخم الدرجات بأنها: إيجاد الظروف المؤدية لارتفاع مصطنع في درجات الطلاب، إما عن طريق خفض مستوى صعوبة الأسئلة، أو ضخ درجات مرتفعة مقابل أداء سيء3.

وينبغي التفريق بين ظاهرة (تضخم الدرجات) و (ارتفاع الدرجات)، فليس كل ارتفاع للدرجات يعدّ تضخّمًا، فقد يدل ارتفاع الدرجات على تفوق حقيقي للطلاب ناتج عن طرق تدريس نافعة، وبذل الطلاب لوسعهم في المذاكرة والاجتهاد، وهو أمر محمود ومنشود، بل هو هدف للأنظمة التعليمية، وميزته أنه يعكس ارتفاعا حقيقيا في معارف الطلاب ومهاراتهم عند قياسها بأي طرق اختبار خارجية ومحايدة.

أما التضخم فهو مجرد ارتفاع مصطنع في الدرجات، ناتج عن تسهيل الأسئلة، والاعتماد على الملخصات والمساعدة المباشرة وغير المباشرة أثناء أداء الاختبار، مما يعطي انطباعا ظاهريًّا بتفوق الطلاب، لكنه لا يعكس مستواهم الحقيقي ومعارفهم ومهاراتهم، وينكشف عند مقارنة درجاتهم بأدائهم الفعلي، أو بنتائجهم في الاختبارات المعيارية أو المحايدة في صياغتها وتصحيحها، التضخم باختصار: هو عدم دلالة الدرجة على المستوى الحقيقي للطالب.

وقد أخذ مصطلح تضخم الدرجات Grade Inflation من المصطلح الاقتصادي المعروف حول تضخم العملة، ومعناه انخفاض القوة الشرائية للنقود، مما يؤدي لارتفاع عام ومستمر في أسعار السلع والخدمات، وفي التعليم تسلك الدرجات الأكاديمية مسلك النقود المتضخمة حينما يتساهل المعلمون والأكاديميون في منحها بصورة مبالغ فيها، ففي الحالات الطبيعية يفترض أن تمنح الدرجات العالية للطلاب المتميزين فقط والذين يظهرون مستوى معرفيا ومهاريا عاليا، أما في حالة التضخم فتجنح المؤسسة التعليمية لمنح درجات عالية جدا لأعداد متزايدة من الطلبة دون أن يصاحب ذلك ارتفاع حقيقي في معارفهم ومهاراتهم، ونتيجة لذلك تفقد هذه الدرجات قيمتها المعيارية وقدرتها على التمييز بين الطالب المتميز والمتوسط والضعيف.

ومشكلة التضخم هي أنها تعمينا عن المستوى الحقيقي للطالب، فدرجاته تقول إنه متفوق والأمور على مايرام، ويمضي من سنة دراسية إلى أخرى ومن مرحلة إلى أخرى بهذا المستوى الذي ظاهره التفوق وباطنه الضعف، فيتفاقم الضعف عاما بعد الآخر، كمرض عضال أُهمل حتى استشرى وصعب علاجه، تكون الدرجات العالية هنا بمثابة المسكن الذي يعطى للمريض فيخفي أعراض المرض، لكنه لايعالجه، أذكر أنني مرة ذهبت للطوارئ لألم معين، وطلبت مسكنا فرفض الطبيب إعطائي إياه، لأن المسكن سيريحني مؤقتا لكنه يخفي الأعراض التي يحتاج الطبيب معرفتها ليشخص المشكلة الحقيقية.

أقول لطالباتي دوما إن الاختبار الصادق (الذي يقيس ماوضع لقياسه فعلا) في مصلحتهن وإن كانت نتائجه لا تسرّ، فهو يساعدني على تشخيص مشكلات التعليم والتعلم وتقديم تدريس أفضل وتشخيص أدق للمشكلات، مما يرفع قدراتهن وتحصيلهن في النهاية، ويستمر معهن بعد انتهاء العام الدراسي، بينما الملخصات والأسئلة السطحية تعميني وتعمي الطالبة عن معرفة المستوى الحقيقي وتطويره، فهي بيانات مضللة.

هذه الظاهرة لم تُناقش أو تُبحث في سياقنا المحلي والعربي بما فيه الكفاية، رغم الضجة الشديدة حولها في الولايات المتحدة وبريطانيا في التسعينيات وبداية الألفية، بل أزعم أن مصطلح (تضخم الدرجات) لم يطرق مسامع الكثيرين رغم ملاحظتهم للظاهرة نفسها، ولم أجد سوى دراسات قليلة منها دراسة الباحثة هيفاء القاضي4 عام ٢٠٠٥ م، والمنشورة في مجلة رسالة الخليج العربي بعنوان: تضخم الدرجات وارتفاعها : دراسة تحليلية لنتائج طالبات الثانوية العامة في منطقتي الرياض والمدينة المنورة للعام الدراسي 1422 – 1423 هـ، حيث توصلت الدراسة إلى أن تضخم الدرجات في المدارس الأهلية آنذاك أكثر منه في المدارس الحكومية، وأن التضخم ظهر في الدرجات التي تمنحها المعلمات للطالبات (درجات الفصل الدراسي الأول وأعمال السنة للفصل الدراسي الثاني) وليس في درجات الاختبار الوزاري الذي يُصحّح مركزيا، مما يدعم الفرضية القائلة بأن التساهل في التقييم بهدف مساعدة الطلاب له دور بارز في هذه الظاهرة.

أما دراسة عبدالإله القرني5 عام ٢٠٢٤م فكانت بعنوان: نسب تضخم الدرجات في عينة من مقررات الدراسات العليا بجامعة الملك عبد العزيز، حيث حلل الباحث ٦٢١ سجلا للطلاب خلال أربعةفصول دراسية عامي ٢٠٢٣م و٢٠٢٤م، وقد توصلت إلى زيادة في متوسط الحاصلين على فئات درجات A+ و A و B+ فيما انخفضت نسبة الحاصلين على فئات B وC+ و C ولم يحصل أي من الطلاب على فئات D و F وربطت الدراسة بين تضخم درجات الطلاب والاعتماد الأكاديمي الذي كانت تطمح له برامج الدراسات العليا، والتوقعات العالية لطلاب الدراسات العليا حول الدرجات، بالإضافة لضعف الأمان الوظيفي لدى أساتذة الدراسات العليا من ذوي العقود المؤقتة وخوفهم من إعطاء تقييمات متدنية للطلاب.

كما تناولت دراسة الباحثة منيرة العجمي6 عام ٢٠٢٥م في الكويت هذه الظاهرة وكانت بعنوان: ظاهرة تضخم الدرجات: أسبابها وأثرها على جودة التعليم من وجهة نظر القيادات المدرسية في المرحلة الثانوية في المدارس الثانوية في مدارس التعليم العام بدولة الكويت، وقد أظهرت نتائج الدراسة أن من أهم أسباب تزايد تضخم الدرجات: التحول إلى التعليم عن بعد في جائحة كورونا وانتشار ظاهرة الغش، وأن لتضخم الدرجات أثرا سلبيا على جودة التعليم يتمثل في عدم معرفة الطلاب لقدراتهم الحقيقية مما يؤدي لتعثرهم مستقبلا.

أسباب هذه المشكلة مختلفة، وآثارها كبيرة، ومظاهرها متنوعة، وهي ظاهرة تستحق منا التوقف والتشخيص والتحليل والعلاج، سأبذل جهدي في مناقشتها في سلسلة مقالات تتناولها من عدة جوانب من حيث المظاهر والأسباب والآثار والحلول، أتشرف بمساهمة القارئ الجاد بما لديه، وأتمنى أن يتسم النقاش بكونه حوارا بنّاءًا يهدف لمصلحة طلابنا وأبنائنا قبل كل شيء.

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل

  1. االخليفة، حسن جعفر (٢٠١٧) مدخل إلى المناهج وطرق التدريس. مكتبة الرشد، ص١٣٦ ↩︎
  2. وزارة التعليم (٢٠٢٥). لائحة تقويم الطالب في التعليم العام ٢٠٢٥. ↩︎

  3. Radavoi, C. N., Quadrelli, C., & Collins, P. (2025). Moral Responsibility for Grade Inflation: Where Does It Lie? CN Radavoi et al. Journal of Academic Ethics23(4), 1781-1798.‏

    ↩︎
  4. القاضي، هيفاء بنت سليمان. (2005). تضخم الدرجات وارتفاعها: دراسة تحليلية لنتائج طالبات الثانوية العامة في منطقتي الرياض والمدينة المنورة للعام الدراسي 1422 – 1423 هـ. رسالة الخليج العربي، س 26, ع 95 ، 67 – 109. مسترجع من http://search.mandumah.com/Record/20640 

    ↩︎
  5. القرني، عبدالإله بن محمد بن صالح. (2024). Grades Inflation Rates in a Sample of Graduate Courses at King Abdulaziz University. مجلة العلوم التربوية والنفسية، ع156 ، 556 – 576. مسترجع من http://search.mandumah.com/Record/1490265 

    ↩︎
  6. العجمي، منيرة خالد فيصل الهيلم. (2025). ظاهرة تضخم الدرجات: أسبابها وأثرها على جودة التعليم من وجهة نظر القيادات المدرسية في المرحلة الثانوية في مدارس التعليم العام بدولة الكويت.المجلة التربوية، مج39, ع154 .74 – 45 ، مسترجع من Record/com.mandumah.search//:http/156313 ↩︎

بقلم

أفاتار غير معروف

د. ليلى العصيلي

معلمة لغة انجليزية برتبة خبير، دكتوراه أصول التربية، أطمح أن أسهم في تغيير المشهد التربوي والتعليمي للأفضل

أضف تعليق