السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يتضايق الآباء والأمهات والطلاب، والمجتمع التعليمي كاملا مما يتعرض له طلاب المرحلة الثانوية من ضغوط متزايدة، اختبارات قياس القدرات والاختبار التحصيلي، وهاهو الاختبار المعياري للغة الانجليزية STEP يلوح في الأفق، وكلنا يعلم الأثر النفسي والصحي لهذه الضغوط على الطلاب، والمحزن في الأمر أن الأسرة والمدرسة قد تكونان دون قصد- المسبب الأكبر لصعوبة هذه الاختبارات التي وجدت لتحقيق مبدئي العدالة وتكافؤ الفرص حيث يحصل مئات الآلاف من الطلاب على معدلات متقاربة جدا تصعب الفرز بينهم وتبرز الحاجة لاختبارات معيارية لتصنيفهم لدخول الجامعات، فهذه الاختبارات تحاول قياس الحصيلة المعرفية والمهارية الحقيقية للطالب.
تنشأ المبالغة في الاستعداد للقدرات والتحصيلي و Step عند الطالب الذي أساسه التعليمي هشّ مهما كان معدله الدراسي، سمعت مرة لقاء مع مسؤول في مدارس أهلية معروفة في المنطقة الشرقية وطلابها يحصدون أعلى الدرجات أيام ندرة الدرجات العالية في اختبارات (قياس) قبل التشبع بالتسريبات، فقيل له: ماذا تفعلون لتدريب الطلاب على اختبارات القدرات والتحصيلي؟ قال بثقة وبساطة: لا شيء، نحن نقدم تعليمًا جيدًا فقط، والتعليم الجيد يجعلهم مستعدين.
الاختبارات المعيارية لمن هو مؤسس جيدا لا تحتاج سوى مراجعة يسيرة وتدريب قصير على آلية الاختبار، وما يحدث الآن من استنفار ليس سببه الاختبارات نفسها، بل محاولة حشر مهارات ومعارف ١٢ سنة في شهرين !!
تخيل أنك صحوت من النوم متأخرا لأن المنبه تعطل، وأمامك مهمة تحتاج ٤ ساعات وليس لديك إلا نصف ساعة لعملها، هل ستكون المهمة صعبة لأنها فعلا صعبة أم لضغط الوقت نفسه؟ المنبه الذي عطلناه هو : التقييم الصادق الذي يكشف المستوى الحقيقي ويساهم في علاج عثرات التعلم، مما سبب هشاشة الأساس التعليمي للطالب الذي اتسمت دراسته بالتساهل طوال هذه السنوات بحجة (التيسير) الذي تكاتفت عليه المدرسة والأسرة وشعارهم (مشّي، لا تعقدها)، ظنا منهم أن الدرجات العالية هي الهدف، فلما وصل الطالب للمرحلة الثانوية وجد أنه بلا أساس علمي ومهاري يخوله لدخول الاختبارات دون قلق، فكان التيسير في غير محله سببا في التعسير.
وهذه سنة حياتية، من أراد التيسير في غير محله تسبب في التعسير، قسها على أمور عدة:
- شخص قال لنفسه: لماذا أتعب بضبط ميزانيتي؟ لماذا التشدد؟ أيسر على نفسي وأصرف ما في الجيب يأتيني ما في الغيب، والنتيجة: ديون متراكمة، تورث عسرا.
- شخص يسر الحياة على نفسه بعدم إلزامها بالرياضة، وعدم مراقبة نوعية الأكل أو نمط الحياة، سيسعد مدة، ثم يصطدم بالوهن والضعف والعسر الذي يكتنف حياته لاحقا.
- شخص أراد التيسير على نفسه فلم يلزمها بترتيب غرفته يوميا، وأهملها مدة طويلة، فلم يتسبب إلا بعسر ترتيبها لاحقا.
يمكنك أن تضرب من الأمثلة ما تشاء، لكنها قاعدة ثابتة: من أراد التيسير في غير محله، لم يجد إلا العسر، وهذا أمر ينطبق أول ما ينطبق على سعينا للآخرة، فمن أراد الجنة علم أنها حفت بالمكاره، وأن النار حفت بالشهوات، أصحاب النار في الدنيا مرتاحون من تكاليف العبادة، لكنه تيسير لا يورث إلا العسر والمشقة.
ليس هناك حل للتعقيد الذي يقابل الطلاب في المرحلة الثانوية إلا الوعي بأهمية جدية الدراسة من الصف الأول الابتدائي، وعدم قبول التساهل، حتى لو سمي (تيسيرا) فاللعب بالمسميات خطر، حتى إن بعض من واجهتهم من المتساهلين كان يلبس على نفسه وعلى الناس بمصطلح (التيسير) ويبرر بذلك إعطاء الطلاب ملخصا من ورقتين ليضمنوا درجة كاملة في مادته دون معرفة ومهارة حقيقيتين، ومثله ولي الأمر الذي يطالب بهذه الملخصات وبالاختبارات السهلة جدا بحجة (التيسير) المزعوم لابنه، ومثله المدير والمشرف وكل من يستخدم مصطلح التيسير للتساهل في مخرجات الطلاب، ليدفعوا ثمن هذا (التيسير) المزعوم عسرًا ومشقة في مراحل لاحقة.
سيقول قائل لا تسمي هذا الأمر تيسيرا، فهو تهاون والتيسير محمود، فأقول: أستخدم مصطلح التيسير الأحمق، لأن من يمارس التهاون يسميه تيسيرا فيلبّس على نفسه وعلى الناس، ليعطي الفعل صبغة رحمة وإنسانية، بل صفة شرعية، وتجده يستدل بالنصوص الشرعية التي تحث على التيسير، فاخترت مصطلح (التيسير الأحمق) لأن هناك تيسيرا رشيدا هو المطلوب، ولو كتبنا عن التهاون لقال المتهاون: أنا أيسّر ولا أتهاون.
اليسر المحمود شرعًا هو اليسر في محله، ذلك المقرون بالحكمة ووضع الأمور في نصابها وتلمس عواقبها، فما خُيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما مالم يكن إثما، أي مالم يتسبب بضرر، هذا هو الفهم الصحيح للتيسير، نرحب به حين لا يتسبب بالضرر، أما حين نقصده لذاته ظانين أن الحياة ستغير قوانينها لأجلنا، فهذا تيسير أحمق، علينا أن نكافحه وننشر الوعي بضرره.
هي قاعدة ثابتة: من أراد التيسير في غير محله، لم يجد إلا التعسير، والحقيقة ينبغي أن نتقبلها لنعالج الوضع، مهما كانت مؤلمة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته