عن التبرير والسخرية والهجوم بوصفها حيلا نفسية

السعي للذة والهروب من الألم أحد أهم الاحتياجات الأصيلة المشتركة عند البشر، ويقابل هذه الحقيقة الإنسانية الثابتة حقيقة حياتية لا تقل عنها ثباتا وصمودا في وجه الزمن: معالي الأمور صعبة وشاقة، وسفسافها سهل مريح.

ومن هنا تنشأ المفارقة: يرغب الإنسان في لذة المعالي، ويكره ألمها، لكن المرور عبر قنطرة الألم شرط للوصول لسعادة النتيجة، والإنسان مجبول على قصر النظر وحب العاجلة، وتفضيل اللذة الآنية على الآجلة، والهرب من الألم الحاضر وتأجيله للمستقبل.

من أراد الصحة الجيدة، فعليه ترك الراحة وممارسة الرياضة، وعليه مقاومة الرغبة في الأكل المضر والصبر على الأكل الصحي، ومن أراد المستقبل المشرق فعليه الاجتهاد في الدراسة وبناء المهارات، وترك الملهيات والمشتتات، ومن أراد الاستثمار في علاقاته، فعليه الصبر على حسن التعامل مع الناس مع حفظ حدوده، ومن أراد الاستثمار في تربية أبنائه فعليه بذل الجهد والوقت وعدم الاكتفاء برميهم أمام الشاشات، والأمثلة لا تحصى، وأهمها على الإطلاق: من أراد رضى الله والفوز بالجنة فعليه أن يعلم أن الجنة حُفّت بالمكاره، والنار حُفّت بالشهوات!

يعلم الإنسان يقينا صحة ما ورد في الفقرة السابقة، لكن الالتزام به صعب، وتذكر الإنسان أنه مسؤول عن نفسه واختياراته، يجعل شعوره بالذنب مضاعفا حين يقصر في بذل أسباب الفلاح، فهو أمام أمرين: إما أن يتحمل ألم القيام بما يجب، وهذا أمر مؤلم، أو أن يتحمل ألم لوم النفس على تقصيرها، وهذا أمر أشد إيلاما !

وقد اتفقنا سابقا أن أحد احتياجات الإنسان الأصيلة المتجذرة في غريزته: الهروب من الألم، فهو يهرب من ألم السعي لمعالي الأمور بالركون للتسويف والكسل، لكن كيف يهرب من ألم تأنيب الضمير والاعتراف بالمسؤولية عن التقصير؟

الحقيقة أن فهم استراتيجية النفس الإنسانية في التعامل مع هذا الألم تحديدا مفتاح لفهم الكثير عن النفس، والعلاقات، وسيكولوجية المجتمع والنفس البشرية في كل العصور، الشعور بالذنب مؤلم جدا، ويستيقظ الشعور بالذنب في موقفين: عند سماع نصيحة صادقة، أو رؤية إنسان يقوم بالفعل الذي تكاسل عنه الإنسان، ويسعى معظم البشر لكبت تأنيب الضمير وإصماته وتخديره، عبر حيل نفسية منها:

١- التبرير: يبرر الإنسان تقصيره بأعذار شتى تريحه من عناء تحمل المسؤولية وبذل الجهد، فهو لا يحقق معدلا جيدا لأن الأستاذ سيء أو ظالم، ولا يمارس الرياضة لأنه لا وقت لديه، ولا يستثمر في علاقاته لأن الناس سيئون….الخ.

٢- الهجوم والسخرية: يقلق الإنسان من الفجوة بين وضعه الحالي، والوضع الذي من المفترض أن يكون عليه، والعاقل يردم الفجوة بينهما بمحاولة رفع سلوكه لتتفق مع المعايير، لكن المخادع لنفسه يردم الفجوة بهدم المعايير، والسخرية منها وممن ينشرها بين الناس، أو يتمثلها في سلوكه، والهجوم عليهما.

لذلك ترى صاحب الحساب الذي يروج للتفاهة محبوبا، بينما من يعرض توعية صحية أو مهنية أو تربوية يهاجم ويُسخَر منه، أو على الأقل يوصف ما يقدمه بالمثالي لمبررات كثيرة، مما يجعل صوت التفاهة عاليا، وصوت الصدق خافتا في عالمنا الواقعي وفضائنا الافتراضي!

أتمنى فعلا أن يقود العقلاء الموقف، ولا يتركوا لمن يشعر بالنقص ويريد تخدير تأنيب ضميره بأن يسود ويكتب دستور مجتمعنا، لنزاحم أصحاب التبرير والسخرية والهجوم في أحاديث المجالس، ولنزاحمهم في تعليقات وسائل التواصل، لماذا نترك صاحب المحتوى الجيد يشك في نفسه، ويحجم عن نشر المحتوى المفيد لأنه يرى أن الناس لا يستحقون من يبذل لهم الخير، ولنربّ أنفسنا وأبناءنا على الاعتراف بأن التبرير والسخرية والهجوم على من يقول الصواب ماهي إلا حيل نفسية تقعد الإنسان عن المعالي وتجعله سببا في ضمور الخير والمعنى وتضخم الهشاشة والتفاهة!

بقلم

أفاتار غير معروف

د. ليلى العصيلي

معلمة لغة انجليزية برتبة خبير، دكتوراه أصول التربية، أطمح أن أسهم في تغيير المشهد التربوي والتعليمي للأفضل

فكرة واحدة بشأن "عن التبرير والسخرية والهجوم بوصفها حيلا نفسية"

اترك رداً على غير معروف إلغاء الرد