لمَ تغضبون من نتفلكس؟

 

 

addiction-1

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

قرأت مؤخرا عدة تغريدات تستهجن ماتقدمه شركات إنتاج الأفلام مثل نتفلكس من ترويج للشذوذ أو الإباحية، ونفور الشباب المسلم من هذا أمر جيد ولاشك، ولكن مادمت تتسوّل التسلية على موائد الآخرين فكيف تطالبهم أن يحترموا مرجعيتك؟ من يصنع الأفلام سيروج لأفكاره هو، لا أنت، المشكلة ليست فيما يعرضه، بل في عدم قدرتك على الاستغناء عنه.

هذه شركات رأسمالية، يهمها الربح لا الأخلاق، وهي تابعة لمنظومة سياسية وفكرية تطالبها بإثبات احترامها لأفكار معولمة لا تمت لدينك بصلة، والأمر لم يبدأ من الشذوذ فقط، فمنذ نشأة صناعة الأفلام وهي تخدم فكر صانعها ومنتجها، فما الجديد؟!

هذه المنظومة هي التي روجت -من خلال الأفلام- للإباحية والعلاقات المحرمة والاستهلاك المادي والتفكك الأسري والإلحاد والتمرد على المجتمع بحثا عن الحرية، هي التي شوهت صورة المسلم والعربي، هي التي سعت خلال عشرات السنوات لتقديم فكر مخالف تماما لعقيدتك، وقيمك، وأخلاقك، لماذا تغضب عليها؟ إنها لم تناقض نفسها يوما، أنت الذي خدعت نفسك ورضيت أن تشاهد كل هذا وتستمرئه وتتسلى به لأنه قُدّم لك في قالب قصة مشوّقة وإخراج مُبهر.

القصة أسلوب من أساليب التربية، تستخدمه معك شركات إنتاج الأفلام، لأنها تعلم أنك لاتملك الجَلَد الكافي لتقرأ كتابا يقنعك بالداروينية أو الانحلال، فتقدمها لك عبر قصة مشوقة، الأمر يشبه أن يرفض الطفل شرب دواء، فتضعه الشركات له في هيئة حلوى، أرجوك لاتقل لي أنا أفهم وأستطيع فرز الأفكار، إن قلت هذا فأنت لاتفهم آلية عمل الدماغ، ولا كيف يغسل تكرار الفكرة وعرضها بطرق عدة هذا الدماغ، والواقع أمامك خير شاهد: كلما انفتحنا على الثقافة الغربية أكثر بطرق سلبية ليس فيها تفاعل حضاري جاد، قل التزامنا بديننا وزاد إعجابنا بهم، واعتناقنا لأفكارهم، ليس لأن أفكارهم جيدة، بل لأنهم يحسنون عرضها ونحن لانحسن الفرز، ونتلقى فقط، وهذا طبيعي، فأرجوك دع عنك التظاهر بدور الفلتر لما تشاهده، لأن الواقع يكذبك قبل أن تفكر في الرد أصلا.

هذه الشركات لاتهدف لإقناع عقلك فحسب، فهي تريد جيبك في المقام الأول، أرباح صناعة السينما خيالية، وأجور المخرجين والممثلين وعوائد شركات الإنتاج تفوق الخيال، والأمر الوحيد الذي يريدون ضمانه هو بقاؤك مدمنا مستهلكا، لذلك يبهرونك في كل مرة بقصة أقوى وإخراج أجمل، وأنت باقٍ تنتظر الجديد وتتسلى بالقديم حتى يأتي جديد آخر، ولست وحدك في هذا، فكثير من البشر على هذا الكوكب مثلك، لكنك مسلم ويفترض أنك تفهم أنك لم تُخلَق لحياة بهيمية، وأنك لاترضى أن يكون عقلك مكبّا لنفايات الأفكار التي تلِجُهُ عبر بوابة حواسك.

إدمان التسلية داء عصري بامتياز، فالتسلية ضرورة لاغنى للبشر عنها، لكن ضياع ساعات اليوم وسنوات العمر في التسلية أمر غير طبيعي، الإدمان يجعلك في توق شديد ويضعف مقاومتك، لذلك أرى أن الحل في كسر إدمان التسلية هذا أولا، و محاولة التعافي منه، لا في مجرد طرح بديل نظيف ينقلنا من إدمان مخدرات مغشوشة إلى إدمان مخدرات أصلية، فقد رأينا ماحدث حين طرحت إحدى القنوات (المحافظة) بديلها عن تلفزيون الواقع : ضياع وقت أكثر، وتعلق البنات بالشباب المشاركين في البرنامج، وكذلك مافعلته وسائل التواصل من إدمان تسلية متابعة المشاهير، وماتبعها من انتشار قيم وسلوكيات غير جيدة وضياع أوقات وتشتت لم نشهد له مثيلا، لا أحاول هنا أن أطرح حلولا جذرية، ولا أن أحارب البدائل، ولكن أحاول طرح فكرة بسيطة فحسب: الحياة أثمن من أن تبقى متفرجا.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نُشرت بواسطة

ليلى العصيلي

معلمة لغة انجليزية، طالبة دكتوراه في أصول التربية، قارئة وأهوى الكتابة، أقترف شيئا من الترجمة، أطمح أن أسهم في تغيير المشهد التربوي والتعليمي للأفضل

14 رأي حول “لمَ تغضبون من نتفلكس؟”

  1. كل من أراد أن ينشر فكرة فعليه أن يبني لنفسه مكانا عند الناس، إنْ في الخير أو في الشر
    والإعلام الغربي نجح في كسب الناس واستمالتهم له بإعدادٍ جيد، وإخراج، وحبكة، ودراما مثيرة، بث من خلالها أفكاره التي تعارض الإسلام والأخلاق.
    لا تذهب لنافخ الكير وأنت تتوقع منه أن يستقبلك بالعود والبخور
    وهذه دعوة لصنع محتوى جيد يمتع من يتابعه، ويفيده

    مقال رائع، وفقك الله

    إعجاب

  2. هل قالوا لك ان الشباب العربي لديه امكانيات لانتاج افلام ومسلسلات لافكاره هو؟؟
    ان المسلسلات والافلام هدفها الربح المادي نحن نعرف ذالك جيدا وكل من يتابع يعرف جيدا الهدف من كل مسلسل والترويج لفكرة معينة ولكن من لديه قابلية لغسل الدماغ هو من سيتاثر لذلك ترين الاعتراضات وليس فقط من العرب بل المحافظين بامريكا واوروبا لتاثر بعض المراهقين بما يعرض

    إعجاب

    1. كل البشر لديهم قابلية لغسل الدماغ مع طول التعرض، ولذاك أمرنا الله بحفظ أسماعنا وأبصارنا، وجميع من تأثروا كانوا يعتقدون أنهم يمتلكون المناعة الكافية

      إعجاب

  3. كلام في غاية الروع .
    صار الانسان – إلا من رحم الله – يعيش مخدرا إمعة يتبع كل ناعق ويقلد كل تافه … يحتاج الى وقت حتى يعود الى خلقه الطبيعي .
    اشكرك على الكلام الرائع الجميل الذي يشعر القارئ بحرص الكاتب على امته .
    كتب الله اجرك .

    إعجاب

  4. ها أنا أجد هنا مرة أخرى.. تجريد وتعرية للحقائق المنقبة، وايدي عقل تضع سبابة الحواس على موقع الجروح المتقيحة، وتجردها من شاشها وتكشف هشاشتها ، بوركت استاذتي القديرة على هذا الطرح الفلسفي الذي يكشف ماوراء ضباب الادمغة. دام قلمك حرا قويا ودمتي بنعم وارفة.

    إعجاب

  5. ما شاء الله ، رشاقة في الحرف، وطرافة في الفكرة والتناول..
    كثيرا ما يغتر المتلقي بالمناعة الذاتية، وكما تفضلت، فالقالب الذي صيغت فيه الأفكار والمعاني، متجاوز ومخترق لحصون كثيرة فوق طاقة المتلقي مهما ظن ..

    إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s