لماذا نحتاج إلى فلسفة التعليم؟

لم يكن التعليم يوما مجرد حشو معلومات في أذهان الطلاب وتدريبهم على مهارات كما تُلقّن الآلات البيانات وأوامر البرمجة، التعليم مشروع بناء إنسان، وتشييد أوطان ومجتمعات، فهو مرتبط ولابد بأساس فكري يحدد: لماذا نُعلّم؟ وماذا نُعلّم؟ وكيف نُعلّم؟ وهنا تكمن أهمية فلسفة التعليم، وأهمية إدراك المعلم لها قبل غوصه في تفاصيل معلومات المقرر الذي يتناوله، واستراتيجيات تدريسه.

إن الفلسفة عموما تعني: “حب الحكمة”، ولكن عندما تُذكر كلمة (فلسفة) يتبادر إلى أذهان معظم الناس مفاهيم مغلوطة، مرتبطة بالكلام الصعب المعقّد، أو الإشكالات العقَدية الغامضة، وهذا مرتبط بسياقات ثقافية معينة أدت إلى شيوع هذه المفاهيم، لكن لنركز على فلسفة التعليم ونقول إنها بوضوح: الأساس الفكري للعملية التعليمية، حيث تُحدد أمورًا مثل:

  • ما الهدف من التعليم؟ فمثلا، هل نعلم الطلاب لتستنير عقولهم، وتنشط إمكاناتهم ومواهبهم وتنمو شخصياتهم وثقافتهم؟ أم نعلمهم لنهيئهم لسوق العمل وكسب الرزق؟ أم للأمرين معا؟
  • ما طبيعة المعرفة؟ هل هي حقائق ثابتة؟ أم هي متغيرة بالتجربة والخبرة والجدوى والنفع؟ أم هي أمر يبنيه المتعلمون معا حين يتناولون موضوعًا بالنقاش؟
  • ما دور المعلم والطالب؟ هل المعلم مصدر المعرفة والطالب متلقٍ لها بين يدي معلمه؟ أم أن الطالب هو محور العملية التعليمية والمعلم له دور التيسير والإشراف؟ أم أن العملية التعليمية تدور حول التواصل الفعّال بينهما والذي يقومان فيه بأدوار متكافئة؟

 ما الفِكر الذي يكمن خلف المنهج؟ وخلف النشاط المدرسي؟ وخلف تنظيم اليوم الدراسي؟ وأنشطة النمو المهني؟ وخلف كثير من الممارسات التطبيقية، إذ لابد من أساس نظري فكري مضمّن يقف خلف كل ممارسة تطبيقية ظاهرة، وإلا تحولت التطبيقات اليومية لشذراتٍ متناثرة لا رابط بينها ولا اتصال، بل قد ينقض بعضها بعضا، ويتحول التعليم لثوب مرقّع لا هوية له ولا أساس. إن كل نظام تعليمي بحاجة لفلسفة واضحة، تحدد أهدافه، وتبني مناهجه على أسس راسخة، وتوجه طرق التدريس المتبعة فيه، وتفسر دور المعلم والمتعلم، وتعين على مواجهة التحديات المعاصرة.

يقول جون ديوي: “إن الفلسفة هي النظرية العامة للتعليم”، وتتعدد فلسفات التعليم بقدر التنوع الفكري في هذا العالم، فهناك الفلسفة الإسلامية، والمثالية، والواقعية، والنفعية، والتواصلية، والنقدية وغيرها الكثير مما سأتناوله بإذن الله في مقالات قادمة، وسيبين كيف تتباين التطبيقات التعليمية باختلاف الفلسفات التي تنطلق منها.

إن ما أريد أن أصل إليه في ختام هذا المقال، هو أهمية وعي المعلم بفلسفة التعليم، وأن يعرف المعلم الفكرة الفلسفية التي تنبثق منها ممارسة معينة، كي يكون على بينة وعلم بالأساس النظري الفكري للتطبيقات اليومية، إن كل ممارسة تقف خلفها فكرة، ومن الخلل أن نطبق ممارسة معينة دون إدراك لخلفيتها الفكرية، إننا بحاجة لنقلة نوعية في النمو المهني للمعلم من مجرد الغوص في تفاصيل التطبيقات والممارسات التعليمية إلى الوعي بفلسفة التعليم، نحن نريد معلما يمتلك فكرًا ناقدًا أصيلًا، لا مجرد فني يطبق كل جديد بمهارة فحسب.

بقلم

أفاتار غير معروف

د. ليلى العصيلي

معلمة لغة انجليزية برتبة خبير، دكتوراه أصول التربية، أطمح أن أسهم في تغيير المشهد التربوي والتعليمي للأفضل

4 رأي حول “لماذا نحتاج إلى فلسفة التعليم؟”

أضف تعليق