مذكرات أميرة عربية وزنجبار المنسيّة !

uploads_1476833755640-blogger-image-978745702

سالمة بنت سعيد بن سلطان، أميرة عربية من سلالة البوسعيدي حُكّام عمان حاليا (ومعها زنجبار سابقا) قصتها غريبة تستحق التأمل، فهي واحدة من عشرات الأبناء للسلطان الذي ما إن توفي حتى تنازع أبناؤه على العرش، ودخلت سالمة في معمعة النزاع لتبوء بالخسارة بعد أن تنكرت لفضل أخيها ماجد ووقفت ضده، ثم تعرفت على شخص ألماني وقررت الزواج منه وتنصرت (!!)

هربت سالمة مع زوجها لألمانيا وأنجبت منه ثلاثة أبناء ثم توفي فجأة وعاشت حياة عصيبة بعده، هذه المذكرات لم تُكتب في الأصل بنيّة نشرها، لكن سالمة ( التي غيرت اسمها لاميلي روث) كتبتها لأولادها كي يتعرفوا على ماضيها المسلم العربي وعيشتها في القصر السلطاني في زنجبار، والكاتبة تصف حياة القصر بدقة شديدة وتشويق بالغ يطير بمخيلة القارئ لتلك القصور المليئة بالخدم والحشم والثراء الفاحش المفتقر للتنظيم والجودة، قصص الغيرة والمكائد والوفاء والخيانة والخير والشر،  تُقدم الكاتبة مادتها في عدة فصول مثل: بيت الموتني، بيت الساحل، وفاة السلطان، ولادة الأطفال وتربيتهم، الرقيق، أزياء النساء….الخ، وفي ثنايا كل فصل تجد وصفا دقيقا للمكان والعادات والطقوس والمشاعر،  وتلمس -في الوقت ذاته- حنينا للديار والأهل، حينما تتطرق الكاتبة لتعاليم الإسلام فإنها تعرضها بطريقة خاطئة ومستفزة للمسلم أحيانا، لا أعلم إن كان ذلك بسبب أنها إباضية المذهب أم بسبب جهلها واختلاط العادات لديها بالدين؟ كما يبدو أنها ندمت على كثير من طيشها واغترارها بالحياة الأوروبية، لكنها تدافع عن المرأة العربية دفاعا ساذجا في كثير من المواضع، أحزنني حنينها وتساءلت: هل عادت للإسلام في آخر عمرها؟ أتمنى ذلك.

اقتنيت الكتاب من مكتبة جرير بسعر٣٩ ريالا، ويقع -مع ملحقاته- في ٣٠٠ صفحة تقريبا (صدقوني ستمر سريعا فالكتاب ممتع) والورق أصفر غير مصقول، النسخة التي قرأتها كانت من ترجمة عبدالمجيد القيسي ونشر دار الحكمة (لندن) أعجبتني الترجمة جدا وكأنني أقرأ نصا كُتب بالعربية لأول مرة، وحين قرأت مراجعات الكتاب في موقع goodreads لا حظت استياء البعض من ترجمة د.سالمة صالح التي نشرتها دار الجمل، الجدير بالذكر أن هذه المذكرات كُتبت بالألمانية ابتداء ثم تُرجمت لعدة لغات، وفقدت بعض فصولها لمدة طويلة، ختاما:يقدم هذا الكتاب صورة لأحداث قديمة في مكان منسيّ (زنجبار، قبل مئة عام أو تزيد) وهذا مايعطيه قيمة مميزة وأهمية استثنائية، وإنني أتساءل: كيف يمكن للكتابة أن تُخلّد ما كان يمكن أن يطمره النسيان للأبد؟ وكم من الأحداث والأزمنة والأماكن التي افتقدنا متعة التعرف عليها بسبب عدم وجود من يكتب عنها؟

هذه التدوينة تم نشرها في مدونتي القديمة (نقوش) بتاريخ ١٣-ذو القعدة-١٤٣٥ هـ

رضوى، وثلاثية غرناطة، وأشياء أخرى!

uploads_1476833484397-blogger-image--739408637 (1)

لعل من محاسن تويتر أنه يجمع أصدقاء القراءة فيحدّثونك عن هذا الكتاب أو ذاك، وحين عزمت على السفر آثرتُ اصطحاب رواية معي، ففي كل سفر تصحبني رواية ترتبط شرطيًّا بالمكان، وتُشبع شغف القراءة بطريقة أقرب للأدب والخيال منها إلى الفكر والواقع، فاخترت “ثلاثية غرناطة” لرضوى عاشور، قرأتها وغرقت في أحداث سقوط غرناطة وتبديل هوية مسلميها بالقوة، حين كان التحدث باللغة العربية ممنوعا وتحري هلال رمضان والاحتفال بالعيدين وكل مايرتبط بالإسلام ولغته وشعائره، اختارت رضوى شخصياتها من بين عامة الشعب، لم تتحدث عن القادة أو العلماء أو الشعراء، بل اختارت أبا جعفر الورّاق، سعد ، نعيم، سليمة، مريمة وعليّ، آثرت رضوى أن تنفُض غبار التاريخ وتنقّب في الكتب والوثائق والمخطوطات وتجمع الحقائق هنا وهناك لتكمل أحجية سدّت الكثير من فراغاتها بخيالها الخصب، قدّمت لنا صورة أبناء ذلك الزمان كما تخيلتها هي مستندة إلى التاريخ، كانت مهمّة رضوى صعبة، فكتابة رواية بتفاصيلها عن زمنك الذي تعاصره ومكانك الذي تقطنه يعدّ عملا شاقا، فكيف بسرد رواية في زمن غابر ومكان بعيد؟ تصف حياة الشخصيات اليومية، عاداتهم، خُرافاتهم، آلامهم، آمالهم وكأنك بينهم؟! أوغلت رضوى في تقليب مواجع القُرّاء حين تحدثت عن شغف القراءة وحرق الكتب والحرمان منها ونفاستها حتى تبذل في سبيلها الأموال وتُركبُ الأهوال!

أوجعتني بالوصف حتى عرفت كم نحن باذخون حين نقتني مانشاء من الكتب، ونقرؤها بلا وجل، وتطبع لنا المطابع آلاف النسخ منها، فهل شكرنا؟

رضوى عاشور  أديبة مصرية توفيت في العام الماضي رحمها الله وزوجها الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي وابنهما الشاعر تميم، أسرة أدبية بامتياز، بحثتُ عن سيرة رضوى فإذا هي أستاذة الأدب الانجليزي في جامعة عين شمس، لكن هذا لم يمنعها أن تكون أديبة بلغتِها الأم، لغتُها فخمة لاتملك إلا أن تعجب بها، تمتليء ثلاثية غرناطة بسرد تفصيلي قد لايُطرب القاريء العجول، لكنه ينم عن تمكن رضوى وجزالتها ويمتع المتمهِّل حقا، لاتخلو ثلاثية غرناطة من شيء من الابتذال في وصف بعض المشاهد، لكنها أخف من غيرها بكثير وهذه المشاهد تمر عليها مرورا عابرا بعكس بعض الروايات المُغرقة في الابتذال وكأنه محور الرواية، وكأن الكاتب لايملك إلا موضوع “الممنوع” ليتحدث عنه، رضوى أديبة وظّفت اللغة والتاريخ والثقافة والهوية والحنين والفراق لتنتج رائعتها “ثلاثية عرناطة”، تحمست لأقرأ ماكتبته عن مأساة الفلسطينيين في “الطنطورية” وعن سيرتها الذاتية في “أثقل من رضوى”.

رحم الله رضوى وغفر لها

هذه التدوينة تم نشرها في مدونتي القديمة (نقوش) بتاريخ ٢٠-شوال-١٤٣٥ هـ

سيرة الأديب أحمد أمين

أهوى قراءة السير الذاتية، لمافيها من عرض شامل لحياة شخصٍ ما عاش على هذه الأرض، بآلامه وآماله، وشعوره وعقله، وأَلِجُ  من هذه السيرة لمعرفة نفسه وبيئته ومجتمعه، وزمانه والظروف التي أحاطت به، وفي كل ذلك متعة عقلية وفائدة عظيمة ومعلومات ترتدي ثوب الحكاية، أما معرفة النفس، فإن الإنسان يرى من قراءة السير تمايز البشر وتشابههم في آنٍ، فهم يمتلكون نفس المشاعر، أنا وأنت والملك والعالم والأديب والغني والفقير، كلنا نملك نفسا بسيطة تحزنها أبسط الأشياء وتفرحها أبسطها كذلك، أما التمايز فكل إنسانٍ نسيجُ وحده كما يُقال، كل إنسان نتاج فطرته وملكاته، وتفاعله مع بيئته واجتهاده وكسبه وكل ذلك مما قدر الله له، فينتج من تفاعل ذلك كله إنسان فريد لايشبه أحدا ولو كان توأمه (كما ألاحظ من ابني شقيقتي وهما توأم يستطيع المرء التفريق بين طباعهما ولم يتما عامهما الأول بعد، فسبحان خالق هذه النفوس ومبدعها!).

كما أن قراءة سِيَرِ الأعلام تعطي النفس دفعة معنوية، وزادا روحيا، حين يقرأ تفاصيل حياتهم وما واجهوه من صعوبات ومابذلوا من تضحيات، وما تهيأ  كذلك لهم من فُرَصٍ    يسّرها الله حتى وصلوا لما هم عليه، وآراءهم في الحياة والناس، وغير ذلك مما يفيد العقل ويُبهج النفس، وقراءة السِير الذاتية هي قراءة ترويحية يستجم بها الإنسان ومع ذلك فهي تزخر بالفوائد، وإن كانت لا تصدق في كثير من الأحيان، فكاتب السيرة الذاتية يكتب بنفسه عن نفسه ولك أن تتخيل تأرجح ميزان الصدق هنا، إما بقصد أو بغير قصد، وتزِنَ  الأمور بميزان معقول، وقد كتب أحمد أمين مقدمة ثمينة عن صعوبة ذلك.

نعود  لكتابنا، في الحقيقة اشتريته من جرير وكنت  -يالخجلي- أعتقد أن أحمد أمين صحفي، وأنه شقيق مصطفى أمين الصحفي المصري الشهير الذي قرأت له قديما مذكرات طريفة ( هل لمصطفى أمين شقيق اسمه أحمد أمين أم أن هذا من نسج خيالي؟! لا أعلم!) المهم أنني ركنت الكتاب حينا، وحين قررت قراءته فوجئت بمقدمته تهزني هزّا وتشعرني -بما لايقبل الشك- أن الكاتب أديبٌ  وعالِمٌ وليس صحفيا كما اعتقدت، فما هكذا يكتب أهل الصحافة! وليست نفوسهم وأقلامهم بهذا الجلال!

عمدت إلى ويكيبيديا لأكتشف أنه من أهم أدباء العربية في القرن العشرين، وأنه رئيس مجمع اللغة العربية ردحا من الزمن، وأنه أستاذ في كلية الآداب وأنه مؤلف (فجر الإسلام، وضحى الإسلام، وظهر الإسلام) وكنت أنوي قراءتهما دون الانتباه كثيرا لاسم المؤلف، وهكذا وجدت من المعلومات ما يستقيم مع بلاغة أسلوبه وجلال قلمه، وأبحرت مع سيرته إبحارا سلسا جميلا فكنت  أضيق عندما أتقدم في الصفحات وأوشك على الانتهاء من الكتاب الذي لم يتجاوز ٢٢٢ صفحة فقط، وحين انتهيت من قراءته تذكرت العبارة الشهيرة: ” إذا شعرت وأنت تقلب الصفحة الأخيرة من الكتاب الذي تقرؤه أنك فقدت صديقا عزيزا، فاعلم أنك قرأت كتابا رائعا”، لكن الطبعة التي حصلت عليها ذات غلاف وتجليد أقل من المستوى، وبها عدد من الأخطاء المطبعية، وعتبي على جرير أنها لا تُعنى بالطبعات الجيدة في أغلب الكتب.

ولابد أن أُشير لشعور لازمني طيلة قراءة هذه السيرة، وهو الشبه الكبير بين الأديب أحمد أمين والشيخ علي الطنطاوي في مذكراتهما، وإن كانت مذكرات الأول كتابا واحدا، فإن مذكرات الثاني كانت في ثمانية مجلدات، ولكن ثمة قواسم مشتركة:

١- الأديبان عاصر كل منهما الآخر، وإن كان الشيخ علي الطنطاوي أحدث سنّا، لكنهما عايشا نفس الأحداث (الاستعمار، نهاية الخلافة العثمانية، نشوء الدول الحديثة واحتلال فلسطين…) ومايتبع ذلك من تأثير على الحياة الثقافية والأدبية.

٢- تشابُه الأسلوب الكتابي لكليهما تشابها واضحا.

٣- تأثير الجو العلمي للأسرة (الأب) على كل منهما.

٤- اشتغال كليهما بالتدريس والقضاء.

٥-نقد الأديبين لذواتهما نقدا واضحا ينم عن معرفة النفس، ومايسمى في علم النفس بـ (الاستبصار) وهو رؤية الشخص لنفسه من الخارج، ونقد محاسنها وعيوبها ومحاولة تفسير تصرفاتها كما لو كان يتحدث عن شخص آخر.

٦- كلا الأديبين يهوى العزلة، ويخجل من الناس، لكنه لايهاب المنابر، وله قلمٌ جريء واضح الفكرة لايجامل.

٧-تولى كل منهما عددا من المناصب الرسمية، سمحت له بالطواف في عدد من البلدان، زارها زيارة موظف مسؤول، ووصفها وصف أديب.

٨- تثقف كل منهما في بداية حياته ثقافة شرعية عربية اتصلت بكتب التراث اتصالا وثيقا، وكان لها في نفسه أثر عميق، وإن اختلف مشربيهما فيما بعد.

٩- كلاهما: عالمٌ وأديب.

بقي أن أقتبس من هذه السيرة آخر فقرة فيها، وهي عندما تكلم أحمد أمين عن توفيق الله له في أعماله، قال: ” وهذا التوفيق ظاهرة يصعب تعليلها في عقلي، أو تفسيرها بالتحليل الاجتماعي والنفسي، فكم رأيت من أناس كانوا أذكى مني وأمتن خلقا وأقوى عزيمة، وكانت كل الدلائل تدل على أنهم سينجحون في أعمالهم إذا مارسوها، ثم باءوا بالخيبة ومُنوا بالإخفاق، ولا تعليل لذلك إلا أن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم”.

 

هذه المقالة من أرشيف مدونتي السابقة على منصة اكتب، نشرتها لأول مرة بتاريخ