4-هل يتقدم العالم؟

259px-The_Scream

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أحد أهم ملامح الفكر المعاصر، الاحتفاء بالجديد لجِدّته، وازدراء القديم لمجرد قِدَمه، وقد يكون لهذا النمط من التفكير مبرره عند الغرب وهو سيطرة فكرة التقدمية ( progression ) والتي نبعت من الفلسفة التاريخية القائلة بأن كل عصر لابد أن يكون أفضل من سابقه، فالبشرية تسير في خط تصاعدي منذ القدم وإلى الآن وستستمر في ذلك، ومن رواد هذه الفلسفة في الفكر الغربي: هيجل وماركس.

تصب نظرية النشوء والارتقاء لدارون في ذات الفكرة، فدارون يرى أن الإنسان بشكله الحالي تطور عبرالنشوء والارتقاء وانتخاب الطبيعة للأفضل، وأنه كان في البداية قردا ثم تحول عبر الاف السنين ليكون إنسانا، وتقتضي النظرية – التي يؤسس عليها الفكر الإلحادي اليوم- أن الإنسان في تطور مستمر، وإذا كان التركيز اليوم على التطور المادي والتقني وتجاهل الجانب الروحي والأخلاقي، فإن الواقع يعزز هذه الفكرة، فالبشر في كل يوم يتقدمون تقنيا عن اليوم الذي قبله، مما يجعل البعض يستخدم نفس المبدأ للحكم على عالم الأفكار، فيرى أن فكرة التعلم النشط في التدريس أفضل وأرقى من فكرة التلقين لمجرد أنها أحدث منها، تماما كما أن أيفون 8 أفضل من نوكيا الدمعة بلا مناقشة.

 يشيع اليوم بين الناس أن يعيب أحدهم فكرة ما لأنه ولى زمنها، ولأن الناس أضحوا يفكرون بطريقة مختلفة، وكأنه ينبغي أن نبقي أعيننا على التقويم حين نريد تبني أي فكرة في أي مجال خشية أن تكون صلاحيتها قد انتهت ونحن لاندري، ولكن، هل هذا صحيح؟ هل يصحّ أن نعتبر (الجِدّة) معيارًا للحكم على صحة الأفكار؟ وهل يصح أن نقول إن تفكير الناس اليوم وعقولهم أفضل من القرون السابقة لمجرد التقدم الزمني؟

نحن في الإسلام لانحكم على أمور الدين والأخلاقيات بنفس المعيار الذي نحكم به على الماديات، فنحن وإن كنا نقرّ بأننا نعيش اليوم عصرا متقدما ماديا، إلا أنه متأخر بل متخلف روحيا وأخلاقيا، ولدينا يقين جازم بأن الأفضل مضى ولن يعود، وهو عهد النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، وأن أفضل مايمكن أن نبلغه من تقدم ورقي هو محاولة القُرب من ذلك النموذج المثالي، ولن نكون مثله، لكنه معيار قربُنا وبعدُنا منه يحدد مقدارَ تقدمنا أو تأخرنا، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ )، يشير الحديث إلى أن عصورا من ( التخلف ) قادمة، وإن كان هيجل وماركس وملايين الناس اليوم يعدونها أكثر تقدّما.

قلت في الفقرة السابفة إننا -نحن المسلمين- لا نحكم على الماديات بنفس المعيار الذي نحكم به على المعنويات، فإن كنا اليوم نعيش عصرا متقدما ماديا، فإنه متخلف روحيا، ولكن مهلا، حتى هذا التقدم المادي يعد تخلفا في نظرنا أيضا إذا انحرف عن مُراد الله، وأدى إلى جفاف الروح والتعلق بالدنيا – وهذا هو الحاصل اليوم- فالبشرية تستخدم العلم المادي التجريبي بطريقة منحرفة عن مُراد الله وحكمته في تسخير الكون للإنسان، فهي تصنع المزيد من القنابل والأسلحة المدمرة، والتي لن يروج سوقها إلا بتذكية الحروب وإشعالها وضمان استمرارها، كما أن صناعة الأدوية والتجهيزات الطبية تروج بشكل مخيف وغير أخلاقي في كثير من الأحيان، فالأدوية تطيل متوسط الأعمار وتبقي الناس في حاجة ماسة للدواء  والفحوصات بالأجهزة، وهذا يخدم الهدف الأساسي: تدفق المزيد من المال لشركات الأدوية والتجهيزات الطبية، فالميت والصحيح كلاهما لايحتاج الدواء ولا الفحص المستمر، المستهلك المثالي هو إنسان صحيح موسوس، أو مريض مزمن، فضلا عن شركات تصنيع الأطعمة التي تستخدم أحدث ماتوصل له علم الكيمياء لصناعة طعام غير طبيعي، وملئ بالزيوت المهدرجة، يدمنه الناس ويزهدون في الطعام الطبيعي الذي لا يتوفر فيه نفس المقدار من الملح والسكر والدهون والنكهات الصناعية، وماينتج عنها من سمنة وأمراض قلب وسكري، وكأن كل تقدم واحد يجلب معه آلاف المشكلات التي لم يعانِ منها الناس سابقا.

ماذا عن شركات تصنيع السلع المختلفة، من ملابس وهواتف محمولة وأجهزة، والتي تدمر البيئة، وتشغّل الفقراء والأطفال والنساء في ظروف قاسية وظالمة وغير أخلاقية لضمان إغراق السوق بمزيد من السلع، ماذا عن صناعة المواد الإباحية وتجارتها المتزايدة والتي كانت السبب الأساسي في تطور الكاميرات الرقمية الاحترافية وزيادة دقتها لإتقان إنتاج المواد الإباحية ورواجها؟

هذه مجرد أمثلة لانحراف التقدم المادي عن مُراد الله، وإسهامه في إضرار الناس بدلا من نفعهم، أما الخلل الثاني فيكمن في أن التقدم المادي يجرنا إلى تخلف لايريده لنا الإسلام، وهو الركون للدنيا والاطمئنان بها، وما يجره هذا من شقاء بسبب جفاف الروح، لأنها لم تُخلق للأرض، خُلقت لتسكن الجنة، وما وجودها هنا إلا مرور عابر لايمكنها أن تجعله غاية تقنع بها، إن الركون للدنيا ليس ارتفاعا ولا تقدما ولا طموحا، بل انحدار وتثاقل وتواضع في الطموح، ألم يعاتب الله عز وجل بعض المؤمنين على قناعتهم بالأدنى في سورة التوبة بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38).

هناك الكثير من النقاش حول آفات الحداثة اليوم، ومعظم من يناقش الأمر هم الغربيون أنفسهم، يشككون اليوم في جدوى المغالاة في أهمية العلم التجريبي، وينتقدون الانحرافات الأخلاقية لاستخدامه، ويسهبون الحديث عن غربة الإنسان في عصر الحداثة، عن شعوره بالتفاهة واللاجدوى، عن تفكك العلاقات الاجتماعية وانتشار الاكتئاب، عن الشك في أن العالم يتقدم للأفضل، عن القلق الوجودي في عالم اليوم، بعد أن بلغ الإنسان مابلغ من تقدم مادي تزايد معه القلق والاكتئاب، والذي تمثله اللوحة التي أرفقت صورتها في هذا المقال وهي لوحة (الصرخة) للنرويجي ادفارت مونك، ثاني أشهر لوحة بعد الموناليزا، وقد اكتسبت أهميتها في تعبيرها عن القلق والهلع وغياب المعنى في حياة الإنسان المعاصر، عن حيرته في جدوى التقدم، وقد زادت شعبية هذه اللوحة بعد أن أهلكت الحربين العالميتين ملايين البشر في القرن العشرين، الذي كان يمثل ذروة التقدم المادي.

إن التطور المادي إذا انحرف في أصله وقام على غير مُراد الله، وانحرف في غايته فجعل الدنيا هي غاية المُنى، فقد أضحى تخلفا لاتقدما، وإن علينا أن نعيد التفكير في تقييم الأشياء والأفكار بمرجعيتنا نحن: الكتاب والسنة؛ لأن كثرة المِساس مع الحضارة الغربية أذهبت إحساسنا، وأضاعت وجهتنا، فأصبحنا نرى الأمور على غير حقيقتها، ونسميها بغير أسمائها، ونتبنى -دون أن نشعر- قيَمًا ومعايير تخالف أصول ديننا، والأمة التي لا تراجع أفكارها تنجرف وتغرق وتتلاشى، لنتقدم في الوجهة الصحيحة، نقترب من خير القرون،  ونجعل تقدمنا المادي قائما على مراد الله، خادما لغايتنا الكبرى في نشر الحق وإرادة الله والدار الآخرة، فقد ضيّعنا كثيرا من الوقت في محاولة التقدم الزائفة حين أضعنا بوصلة الطريق.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نُشرت بواسطة

ليلى العصيلي

معلمة لغة انجليزية، طالبة دكتوراه في أصول التربية، قارئة وأهوى الكتابة، أقترف شيئا من الترجمة، أطمح أن أسهم في تغيير المشهد التربوي والتعليمي للأفضل

10 رأي حول “4-هل يتقدم العالم؟”

  1. قال الله تعالى : ( لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر )
    مقال جميل
    لا شلت لك يد، ولا كسر لك قلم
    نفع الله بك

    إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s